( إيران خامنئي وأمريكا ترامب ) حسابات المواجهة في شرق سوريا

د. كمال اللبواني

الدكتور كمال اللبواني

الدكتور كمال اللبواني

كان لتمدد داعش في غرب العراق وشرق سوريا بتخطيط وتسليح إيراني، هدف عريض هو منع العدو ( المعارضة السنية في الدولتين ) من الحصول على دعم غربي وتبرير قمع ثورتهم ،  وتبرير دخول ميليشيات شيعية للمعركة ، وللأسف حصل تمدد داعش في شمال سوريا على تسهيل من تركيا أيضا بهدف منع أي احتمال لتحرك الكرد والتي ربما صدقت أن داعش قوة سنية كسرت الهلال الشيعي ، وأيضا خدع هذا التصور قطاعات من المجتمعات السنية التي تنخدع سريعا بالمظاهر الدينية ومعها دول عربية أيضا تساهلت مع امداد هذا التنظيم بالمال .  وسكتت أمريكا  المتخاذلة والمرعوبة حيث أظهرت إدارة أوباما رغبتها المفرطة في عقد تسوية مع إيران تكفلها المنطقة وتجنب أمريكا دخول الحرب مهما كانت الظروف وعلى حساب أي كان.

ثم انكشف دور داعش بشكل جلي في مسرحيات إعدام الرهائن الغربيين باخراج (سينما هوليود طهران )، وكذلك في تفجيرات أوروبا التي تناسبت وتوزعت مع مواقف هذه الدول من إيران .. والتي استثمرت الحرب على الإرهاب لسحق السنة وتهجيرهم وقتلهم بمساعدة أمريكية وغربية ، لكن الكرد في شمال سوريا تحركوا أيضا لمحاربة هذا الوحش  وتلقوا مساعدة من أمريكا التي فشلت في اعتماد حليف سني قوي يحارب داعش ، والتي لم تبذل جهدا حقيقيا في سبيل ذلك ، خوفا من ازدياد نفوذ تركيا في سوريا ، أو من تكريس هيمنة منظمات اسلامية متشددة أخرى ، بعد أن طغت الآيديولوجيا الاسلامية الجهادية السلفية على الثورة بتمويل خليجي يخشى من امتداد روح الديموقراطية لبلدانه .

لكن الدعم الأمريكي للكرد دفع بتركيا أكثر وأكثر نحو  تغيير استراتيجيتها بشكل دراماتيكي : من سياسة استعادة الدور العثماني في العالم السني التي حوربت غربيا بسببه، لسياسة التقارب البراغماتي مع إيران وروسيا على حساب المصالح السنية والعربية ، وهذا ما أسس لمسار الأستانة ، بعد أن يئست تركيا من اعتمادها أمريكيا كبديل عن الكرد في قتال داعش ، وهذا أيضا خطأ استراتيجي أمريكي ستدفع ثمنه غاليا ، وسيعطي إيران ميزة تفوق إقليمي لن يعدله اجتماع الرياض الاستعراضي ، خاصة وأنه باشر أعماله بدفع قطر أيضا للحضن الإيراني، ومعها كامل الفصائل والتنظيمات الإسلامية التي تدور في فلك الإخوان المسلمين الذي صاروا حلفاء طبيعيين لإيران متظللين بالعلم التركي والقطري ليحص التحالف الذي لا يمكن للغرب السكوت عنه بين المتطرفين السنة والمتطرفين الشيعة ونموذجه حماس وحزب الله .

الدول الأوروبية وخاصة (ألمانيا والدول الاسكندنافية ) التي تحمست كثيرا للمعاهدة مع إيران صارت بعدها تدفع أكثر وأكثر نحو الانتفاح على حليفها التاريخي الصفوي الفارسي ، وتجر معها بقية الدول جنوب أوروبا خاصة فرنسا ، ولا ترى ضيرا في تعهيد  المنطقة لإيران بالمقارنة مع البدائل الأخرى مقابل منافع تجارية قصيرة الأمد .

لذلك وبالنظر لهذا الوضع الاستراتيجي يمكننا القول أنه لدى إيران حظوظ  كبيرة للنجاح في تأمين تواصل جغرافي مع شرق المتوسط عبر سوريا ، أي ما يسمونه استكمال بناء الهلال الشيعي ، وهذا هو هدفها من  الحشود على الحدود العراقية السورية بالتزامن مع تقدم ميليشياتها تحت علم النظام من جهة البادية السورية ، وهو ما حذرت منه أمريكا التي تسعى لمنعه بهدف إبقاء الحدود مغلقة بين سوريا والعراق في وجه التواصل الإيراني مع المتوسط الذي يعبر عن قيام إيران العظمى .

لكن أمريكا التي أغارت على بعض القوات السورية المدعومة بمليشيات إيران مرتين ، لا تملك الأدوات اللازمة على الأرض لمنعها عسكريا فالمنطقة بيد داعش صنيعة إيران ، وأمريكا  لا تريد التورط أكثر في صراع واسع في المنطقة التي أهملت كثيرا في عهد أوباما ، وصارت عمليا بيد إيران وحلفائها الروس ، أي أن الأمريكيين كما قال السفير فورد قد تأخروا كثيرا على القيام بشيء ذو قيمة لوقف تقدم إيران وأوباما حرص كل الحرص على أن لا يترك لخلفه الكثير من الخيارات … لكن إهمال الأمور التي تبدو صغيرة في البداية  يكون عادة سببا لاندلاع الحروب الكبيرة فيما بعد كما عودنا التاريخ مع هتلر وامثاله .

ومما يزيد من تردد أمريكا كونها غير واثقة في حال تدخلها بأنها ستحقق هدفها ، فتركيا مستعدة لتأمين التواصل البري الإيراني عبرها بعد اتفاقها مع إيران وروسيا وخروجها بشكل سافر على الغرب الذي لا يخفي عدوانيته تجاهها ونيته تقسيمها ، لذلك تنحصر أولوياتها بالقضاء على داعش حتى لو كان ذلك لصالح إيران .

أيضا وحدات الحماية الكردية التي تعتمدها أمريكا دون غيرها ، لم تقطع صلاتها مع النظام السوري ومع إيران ومرجعيتها في قنديل وتاريخها السياسي عريق في ذلك ، وهي تتحالف مع أمريكا تحالفا برغماتيا فقط وبشكل طارئ يفهمه كلا الطرفين ، وهي قابلة لتغيير ولائها بسرعة وبشكل مفاجئ عندما تتبدل الظروف أو في وقت الحسم ، خاصة إذا مالت أمريكا للانسحاب ، أو للتفاهم مع تركيا تحت ضغط الظروف ، فعدم جدية أمريكا في الدفاع عن الكرد  سيوقعهم بين فكي كماشتين :خارجية تركية إيرانية ، وداخلية مكونة من النظام والمعارضة السوريين ، ولا ننسى منظمات التطرف وبقايا داعش .

الدول العربية لا تبدي حماسة للتدخل العسكري في سوريا وهو ما عبرت عنه الأردن رسميا ، وقبلها مصر التي تميل لتثبيت النظام السوري بل تدعمه وكذلك عدة دول عربية وخليجية . فقط ثلاث من دول الخليج مهتمة بتقليص النفوذ الإيراني من دون جدية في اسقاط النظام السوري ، وهي مع ذلك منشغلة على حدودها وداخل دولها وفي صراعات اليمن ، ومع الأسرة الحاكمة في قطر التي فهمت الموقف الغربي السلبي والمتخاذل وقررت حماية نفسها من الخطر الإيراني بخروجها عن الصف العربي والتخلي عن التحالف مع النظام السعودي الذي تتنازع معه شرعية الهيمنة على نجد حيث تعتبر نفسها وريث الوهابية الشرعي ، وهذا ما فعلته أيضا التنظيمات الإسلامية البراغماتية وعلى رأسها تنظيم الإخوان الذي سار في مسار التسوية مع إيران منذ أمد بعيد ، عبر وساطة حماس ثم  تركيا ، وعبر عنه مسار الأستانة العلني ومسارات سرية أخرى لم يعلن عنها بعد .

هكذا تتكامل عناصر النصر الإيراني والتفوق الاستراتيجي في شرق المتوسط ، ويصبح على أمريكا ترامب ، الذي يكبل حبه للمال وتراجع الاقتصاد الأمريكي شجاعته التي تصل حد التهور ، يصبح عليها أن تختار بين الانسحاب أمام إيران مطأطئة الرأس كما جرى في لبنان والعراق وأفغانستان … أو خوض حرب مع إيران كدولة وليس فقط استطالاتها وأذنابها في سوريا . مع توقع خذلان أوروبي كامل ودعم روسي صيني غير محدود لإيران .

العامل الحاسم في اتخاذ هذا القرار هو موقف اسرائيل ، فلو ضغطت اسرائيل بما فيه الكفاية على إدارة ترامب للتدخل ، عندها ستضطر هي أيضا أن تدخل الحرب ، وسوف تحتاج من أجل هزيمة ايران التي ستفتح عليها أكثر من جبهة من الشمال والجنوب، لإشراك الدول العربية والخليجة في هذه الحرب ، وهذا ما جرى التحضير له في القمة الاستعراضية مع ترامب  بالرياض .

لكن المشكلة تمتد أيضا داخل مؤسسة السلطة في اسرائيل حيث يوجد تناقض كبير بين المصالح الأمنية البعيدة المدى مع المصالح الانتخابية القصيرة النظر ، ولا يوجد سياسي قادر على اتخاذ قرار دخول حرب واسعة في اسرائيل منذ غيبوبة شارون وربما قبله بكثير . فاسرائيل تفضل تحريك اللاعبين الآخرين ، والدول العظمى بدأت تظهر ضجرها من الطلبات الاسرائيلية في أوروبا وأمريكا وأيضا روسيا التي انكشف خداعها وتواطئها مع المشروع الإيراني ، عندما غطت على تمرير سلاح متطور وكيميائي لحزب الله ، وكل ذلك يجعل سياسة التريث التي تنتهجها اسرائيل تحت مبر ( أن الحرب بين صفوف الأعداء ) سياسة انتحارية أيضا عندما ينتصر عدو ويخرج قويا مهيمنا على كل المنطقة ومتحالف مع التطرف السني ، لذلك تميل إسرائيل لعرقلة أي تسوية مع إيران ، وتفضل فتح صراع عربي إيراني واسع ينهك كلا الطرفين على الأقل ، حتى لا تضطر هي الدفاع بنفسها عن أمنها المهدد من الشمال والجنوب وربما الغرب أيضا ، ومن الصواريخ بعيدة المدى وسلاح غير تقليدي أصبحت تمتلكه إيران .

وما يزال هناك احتمال أن يتغلب الثلاثي (ترامب – ناتانياهو – بن سلمان ) على تردد دولهم ، ويتخذوا قرار خوض حرب مع إيران خريف هذا العام ، أو يتدحرجوا لهذه الحرب من دون قرار مسبق كما هي العادة … وعندها قد تتوسع هذه الحرب وتضطر أمريكا لإشراك تركيا وربما الباكستان والتي لن تتوقف قبل اسقاط النظام الإيراني ، لكن سيكون ثمن استعادة تركيا على حساب الكرد كما شرحنا في المقال السابق . أو  احتمال  اضطرارها لاستخدام أسلحة الدمار الشامل ولو بشكل محدود إذا لم تستطع تأمين عناصر كسب الحرب بالأسلحة التقليدية ، وهذا لا يخالف شخصية بوتين وترامب والبقية من الحكام المعنيين بالصراع … أي أن المواجهة ستكون مدمرة للمنطقة بأسرها . ولا بأس في ذلك بالنسبة للسوريين ، حيث لم يتبق في موطنهم شيء يخشون عليه ، بل ربما تكون هذه الحرب نتيجة لعنة الدم الذي سفك ظلما بتغاضي وسكوت دولي مشين .

في كل الأحوال تبقى حسابات الحكام في كلا الطرفين غير دقيقة وغير مضمونة بسبب تجاهلهم الشعوب ، التي كثيرا ما تخذل حكامها الذين يجروها لحروب عبثية تدفع هي ثمنها دما وجوعا … وهذا ينطبق على الشعب الإيراني أولا ، الذي يدفع غاليا ثمن كل هذا الشحن الآيديولوجي الذي يبدوا بالنسبة إليه مجرد وسيلة تخدم وتبرر استمرار استبداد نظام الملالي الفاسد المجرم بحق شعبه وبقية شعوب المنطقة ، فإيران تعاني من أزمات بنيوية هائلة بذات الوقت الذي تتبنى فيه خطة عسكرية خارجية طموحة جدا ، ربما بهدف التغطية على تلك الأزمات ، فهل ستتحرك شعوب إيران ، كما فعلت شعوب ألمانيا وروسيا وتركيا أثناء  الحرب العالمية الأولى وتسببت في خسارة دولها للحرب ؟  هل ستتسبب الضربات الأمريكية الموجعة لقمة النظام في تحريك الشعب الإيراني؟ أعتقد أن هذا الاحتمال وارد بطريقة أو أخرى لو اشتغل عليه .

إيران مصرة كل الاصرار على كسب معركة شرق سوريا ، وبقية الدول تقول لا ، لكنها لاتفعل شيئا كما حصل عند احتلال بولونيا . سياسة خامنئي تشبه سياسة هتلر ونابليون ، قد تحقق نصر عسكري سريع لكنها سرعان ما تنهار وتتلاشى ، لأنها غير مرتبطة بمصالح البشر والمجتمعات بل بأوهام المجد الزائفة التي تبنى على جماجمهم ، فطموحات العظمة المؤسطرة التي يحلم بها خامنئي لا تتحق إلا بمقدار عقلانية بقية الدول وسعيها لتجنب المواجهة المجنونة … وهذا ما تراهن عليه باعتمادها السير على حافة الهاوية .

أيضا لا يجب التقليل من أهمية الأوراق التي تستطيع أمريكا استخدامها ، ولم تستخدمها حتى الآن كونها تتبنى سياسة عدم زعزعة الاستقرار في المنطقة ، لكنها قد تغير سياستها حينما تشعر بالهزيمة ، وهي بسهولة تستطيع أن تدخل النظام السوري الذي تسعى لتثبيته (وفقا لتلك السياسة ) في حالة فوضى عارمة في حال أقدمت على قتل الأسد وتحريك أنصارها الكثر في حاضنة النظام ذاته من علويين ومسيحيين ودروز واسماعيليين وكلهم لم يكونوا يوما حلفاء لإيران أو روسيا بل حلفاء الغرب تاريخيا … كما تستطيع ادخال تركيا وإيران بحروب أهلية طاحنة وبأقل التكاليف ، و تستطيع افتعال أزمة نفطية هائلة تعوض ماليا عن أي تدخل عسكري وتعاقب به بقية الدول .

 باختصار إما أن تتراجع أمريكا العاقلة أمام المجنون الإيراني وتنسحب جارة معها أذيال الهزيمة ، وتترك المنطقة للنفوذ الإيراني ومن خلفه الروسي والصيني بما يشكله ذلك من تأثير على اقتصادها المتداعي ، فيستمر خنوع شعوب المنطقة تحت نير الذل والاستبداد ووحشية التطرف  بما فيها شعب إيران ، وهذا هو الاحتمال الأرجح منطقيا ، أو تدمر مع انسحابها كل النظم الهشة في المنطقة وتدخلها في حرب أهلية اقليمية واسعة ، أو تتخذ قرارها بخوض معركة شرق سوريا بحماسة وحزم ، مع أنها قد تتطور لحرب واسعة وربما عالمية بالقياس لردود الفعل الروسية ، وهذا أيضا وارد لاختبار القوة بينها وبين روسيا ، واختبار شجاعة النظام الإيراني فعلا على خوض مواجهة مباشرة مع أمريكا ، فسياسة حافة الهاوية تصلح أيضا في التعامل مع إيران .

وما العيب في هذه المغامرة إذا كانت الحضارة والحرية تنتصر بفضل المتهورين وليس المحافظين . هل قامت ثورة الشعب السوري على حسابات العقل ، أم حماسة العاطفة ، ولماذ التعقل إذا كان سيكرس الذل والهوان ، فالحرب هي مغامرة مجنونة ، لكن قرار دخولها قد يكون عاقلا وحكيما إذا اتخذ من أجل الدفاع عن القيم التي يستبيحها قوي متجبر شيطاني لا يجد من يرده عن طغيانه ، وهذا هو السبب الذي جعل الديانة الاسلامية تتراجع عن مبدأ اللاعنف الذي جاءت به المسيحية ، بعد ثبوت طوباويته حيث قامت الدول المسيحية بشن أشرس الحروب وأكثرها دموية في التاريخ .

{ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ } (سورة البقرة 216)

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *