يثب

الأيديولوجيا الاسلامية السلفية الجهادية

Kamalالأيديولوجيا تعريفا هي توظيف الفكر في السياسة .. لا تتكون بمعزل عن الظروف والحاجات والأهداف السياسية العملية ، ولا تنقطع أيضا عن المنظومات المعرفية – القيمية السائدة … فهي تسعى لتبيان أن هذه الشعارات والأهداف السياسية هي التعبير الأمثل عن القيم والعقائد التي نحترم ونجل في المجتمع ،

ونحن هنا بصدد البحث عن النمط الأيديولوجي الذي ينظم ويربط الناشطين الثوريين ، ومقاتلي الثورة على الأرض ، والذي هو بالضرورة واحد ، نظرا للحاجة الماسة للوحدة في المعركة ، ونظرا لاستشعار خطر أي جدال أو نقاش ، أو طرح لمسائل خلافية محتملة ، بين مسلحين متمردين على السلطة مستعدين للموت ، لا يحكمهم سوى اراداتهم ، وبشكل هش سلطة المجتمع الأهلي غير الموحدة ، وسط غياب تام لسلطة الدولة ، ومؤسسات المجتمع المدني .. أي أنه بالضرورة واحد نظرا للحاجة الماسة لضبط وتقييد ليس العناصر من المقاتلين فقط ، بل القادة والأمراء أيضا ، بقيود واضحة ومشددة ومقدسة ، خوفا من طغيانهم وطاغوتهم أو توحشهم ، وهي لكل ذلك ، لن تكون الا أيديولوجيا واحدة وكلية ، شمولية غير خلافية ، وغير قابلة للنقاش ، و في مجتمعنا لن تكون غير الأيديولوجيا الإسلامية بنسختها السلفية المجمع عليها سلفا من عامة الناس لدرجة التقديس ، والتي تدرّس في المساجد عادة … لماذا ؟

بعد فترة من حمل الشعارات المدنية الحديثة : الكرامة والحرية والديمقراطية والمواطنة ، ورفع أعلام الوطن الخضراء المزينة بالنجوم ،في مواجهة النظام الدموي .. سرعان ما اضطرت الثورة للنهل من رصيد المجتمع التراثي الثوري والديني لتعزيز صمودها في وجه آلة الطغيان والقهر والقتل التي انطلقت من عقالها ، ومع استمرار المعركة الشرسة لفترة أطول تمركزت وحدة وفاعلية الثورة حول الرابط الاجتماعي التقليدي الأساسي القائم على احترام الموروث الديني الجهادي ، طالما أن الدين هو الذي يكون عقل ولغة وحياة المجتمع الذي يعيش عليه وبه كثقافة تقوم أساسا على القرآن ، وكأمة كتاب ، الدين الذي أصبح المصدر الوحيد للأيديولوجيا ، بعد عجز العقائد و الفلسفات الأخرى ، بل وقوفها موقفا مترددا من دعم الثورة المسلحة بل معاديا لها أحيانا ، وهكذا انتفت امكانية وجود ألوان أيديولوجية مختلفة متعايشة معا بسلام تحت خيمة ثورة مسلحة في ظروف غاية في الصعوبة ، واقتضت الضرورة أن يتوحد الجميع تحت العلم الأسود الذي يرفع وحدانية الله كحاكم وحكم ، تلبية للحاجة للون واحد يوحد الناس ويحتكمون لمعاييره في ظروف حرجة ومعقدة ، وفي غياب أي سلطة أخرى (تعاقدية ومفوضة ) قادرة على استيعاب المختلف وتنظيمه ، فأصبح الدين الاسلامي التقليدي السلفي هو الرابطة الطبيعية الوحيدة التوافقية المتبقية في المجتمع التقليدي ، بل البدائي الذي وصلنا اليه بسبب الخراب ، ولهذا السبب انهارت شعبية الأحزاب كلها وانتهت للصفر نتيجة ترددها وعدم وضوح موقفها ، ونتيجة أدائها العسكري الذي شهد تراجعا مضطردا مع الوقت ، بما فيها الأحزاب الإسلامية الأخرى … وتحت ضغط الحاجة للوحدة أصبحنا نسير نحو اللون الواحد و الشمولية … فكل حزبية هي فرقة وتفرقة وضعف في نهاية المطاف ، بسبب الحرب الشرسة التي فرضت على مجتمع أعزل .

0120وسط طغيان هذا المناخ الاسلامي السلفي الجهادي كان من الطبيعي أن يستشعر قادة وكوادر ومجاهدي هذا التيار الذين قارعوا النظام سابقا كجماعات سياسية متفرقة ، وسجنوا في سجونه ، أنهم الوحيدون المؤهلون لقيادة هذه المرحلة التي تصطبغ بلونهم كما هم (كسلفيين وجهاديين ) ، وبالتالي لقيادة العمل العسكري والسياسي والاغاثي الموحد حكما في زمن الطوارئ ، فأصبحنا نرى رفاق الزنزانة السابقين من التيارات الجهادية السلفية هم قادة الكتائب والألوية في أغلب المناطق . ونرى أن رسم الانتساب لهذا الحلف وعنوانه هو اطلاق الذقن السلفية المعروفة وقص الشوارب ، فهي المظهر الموحد والرمز الجامع لهذه الوحدة شبه الحتمية بفعل الضرورة الموضوعية . فالسلفية بسبب تمسكها بالشكل والمضمون معا ، تشكل الوعاء الوحيد الذي يلغي الفرقة وعناصر التنازع دون غيرها ، وبسبب قيمها الجهادية تطابق الحاجة لمتابعة الثورة المسلحة ، وهي الأكثر انضباطا بحكم سلفيتها وتقيدها بالأشكال وبطاعة الأمير فيها .

ما أوضحه هنا أنه لا يجوز اعتبار طغيان أي أيديولوجيا .. فقط كنتيجة لجهد ذاتي ، أو لتدخل خارجي أو لسياسة توجه الدعم . هذا قصر نظر سياسي ، لأنه لا يدرك أن الأيديولوجيا تفرضها الحاجة الموضوعية بشكل حاسم ، وهي ليست خيارا حرا . كما أنها ليست دائمة الا بدوام الظرف والوظيفة المرتبطة بالحاجة . (مثلا كل الدعم اللوجستي والسياسي والمالي وبالسلاح الذي قدم من قبل تحالف دولي لفصيل اسلامي معتدل ، قيل أنه منظم ومناسب للمرحلة ، انتهى إلى قوة وطغيان التيار السلفي الجهادي المختلف عنه بل المتناحر معه ، كيف حدث ذلك ولماذا يا ترى …..؟؟ .

كما كان حمل السلاح ليس خيارا أمام الثورة ، كذلك طغيان الأيديولوجيا الجهادية السلفية عليها – بعد سنة من الحرب الضروس والدمار الشامل – كان ضرورة موضوعية لتجنب الوحشية والفوضى ، في سبيل إدامة المجتمع الانساني المتناثر فوق أرض مدمرة ومحروقة ، وتحت ظروف الحصار والقتل والقصف ، والحاجة التي لا تطاق . فهي ( اقصد هذه الأيديولوجيا السلفية الاسلامية الجهادية العفوية ) ، وليس لها أي تنظيم أو حزب سياسي ديني ، هي وحدها من أنقذ المجتمع من الضياع ، وحمى نظامه الاجتماعي والقيمي ، ونظام الملكية والحقوق الفردية فيه ، التي بقيت مصانة بطريقة مدهشة ، رغم الفوضى ودمار كل شيء ، وبدل أن نعطي هذه الأيديولوجيا التي انتشرت عفويا حقها من الشكر والامتنان ، نرى قصيري النظر من المنظرين الحزبيين والفئويين والشيوعين يذمون الثورة والاسلام ، ويتهمون الشعب بالتطرف و بالإرهاب، والتخلف والتنكر لمبادئ الثورة (العلمانية ، المضادة للدين ) ، كما ظنوها عندما اشتركوا فيها … تلك المبادئ التي كانت كفيلة بإطلاق الجريمة في كل مكان لو سادت في هكذا ظرف، في غياب الدولة القادرة الضامنة ( لاحظ أنها هي ذات شعارات النظام القاتل التي تبرر له كل جرائمه كونها تلغي سلطة الضمير والدين ، لحساب المصلحة الخاصة التي لا تحدها سوى سلطة الشرطة ) .

ومع ذلك ، في الواقع لا تستقر قيادة أي مجموعة الا إذا استطاعت أن تؤمن تدفق الدعم والرواتب لمجموعتها ، وتنهار سلطتها بانقطاع الدعم ، ولكون الدعم غير مستمر بل متقطع عمدا ، ومعدوم التنسيق والمنهجية قصدا ، كان لا بد من رابط آخر يديم هذه المجموعات المقاتلة ، التي قوتها وحياتها في وحدتها ، ويجعلها قادرة على أن تتابع القتال في ظروف شبه مستحيلة ، بل أن تقدم الشهيد تلو الشهيد وتديم الصمود دون هوادة ولا وهن ، فليس هناك من رابط أقوى وأيسر توفرا من الدين بفقهه السلفي المحدد شلا ومضمونا ، غير القابل للنقاش ولا للتأويلات التي تفتح باب الفرقة في زمن المعركة ، فهي كانت كفيلة بالحفاظ على ترابط المجموعات وانضباطها ، كظرف موضوعي قادر على لجم عوامل الفرقة الذاتية كلها وما أكثرها .

باختصار الحاجة هي من صبغت الثورة بطابع عسكري جهادي اسلامي سلفي ، ليس فقط لأن الجهاد في الاسلام يفتح أبواب الثواب الأخروي على أهميته القصوى ، بل لأنه يوحد المواصفات التي على المقاتل أن يتقيد بها ذاتيا ، والتي تحدد نمط ملزم للقادة أيضا ، وفي النتيجة ، القادة اليوم هم فعلا متشابهون بل متماثلون ورفاق تنظيمات وزنزانات في ما سبق من سنوات، والأسماء معروفة، ومع كل هذا هم مختلفون في التفاصيل ، وفي الأداء، وبينهم تنافس شديد وخطير أحيانا . فالظرف وحّدهم ، وليس التنظيم هو من سودهم ، ليست قوة التنظيم ولا خططه هي من( سرقت ) أو حرفت الثورة كما يقال ، بل إن ظرف الثورة هو من أفرز أيديولوجيتها وقادتها ودفعهم للتوحد الذي ما يزال هشا .

أي أن ما تتهم به الثورة السورية (من طغيان السلفية الجهادية العفوي فيها ) ، هو بالضبط عنصر قوتها وبقائها . ،هنا مصيبة المحللين الذين لا يفهمون المجتمعات ولا دور الأيديولوجيات ولا أشكال توظيفها و استعمالها ، ولا يقدرون أثر الظروف ، بل يسقطوا مفاهيمهم المثالية النمطية الثابتة على واقع متغير يعيش ثورة .

لذلك لا يجب أن نتوقع أن يكون الطريق نحو العدالة والمساواة والحرية ( الديمقراطية ) طريقا مستقيما وسهلا ، ولا أن تكون الديمقراطية محققة بمجرد سقوط النظام (ربما كان هذا ممكنا في البداية وبمساعدة خارجية ) ، بل علينا أن نخطط للمسير على كامل الطريق بتعرجاته كلها وبقوانا الذاتية ، فالمرحلة الحالية والتالية للسقوط هي مرحلة الدولة الدينية الإسلامية السلفية الشمولية ، ولا مجال أبدا لغير ذلك ، ولا يمكن التفكير بالتحول الديمقراطي ، قبل حصول تغيير جذري في شروط الحياة العامة ، وتحقيق الأمن والاستقرار والرخاء ووحدة الدولة وسيادتها واستقلال قرارها وهذا لن يتحقق من دون شمولية .. كما نظن ونرى .

ومع ذلك نحن لا نخشى من استمرار التشدد والشمولية لفترة طويلة بعد حلول السلام ، لأن نمط الحياة الحديث وقيمه أقوى من أن تقاوم عندما توجد فرصة للعيش والأمن ، لكن ظروف القهر والموت هي من تسببت بهذا التشدد والشمولية ، التي هي حاجة ونتيجة . لا يمكن أن تقاوم من دون تغيير الظروف المسببة لوجودها . ولا يفيد حربها بالخطابات و الشعارات ، أو حتى الصراع معها عسكريا لأن ذلك يفاقمها ، ويقويها ويبررها ، ويقف في وجه انتصار الثورة ، وبقاء المجرم الذي تقع عليه مسؤولية كل هذا الخراب والتراجع ، وعليه يجب أن نفهم أن لهذه الأيديولوجيا دور سوف تلعبه في تاريخ هذه المنطقة ، وأن الشعوب تغير أيديولوجياتها بتغير ظروفها وهذا حقها ووسيلتها للبقاء ، وعلى المنظرين الماركسيين الكف عن القاء عظاتهم على الناس ، فأهل مكة أدرى بشعابها . ( ولا تجتمع أمتي على ضلال )

د . كمال اللبواني 

2013/10/31

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.