الإسلام والسيف

د. كمال اللبواني

الدكتور كمال اللبواني

الدكتور كمال اللبواني

بين السلام الذي هو تحية الاسلام ، وبين السيف الذي هو أداته ، يوجد رغم تجاورهما حد فاصل يفرق بينهما…  إذا ضاع ينطلق العنف في غير مكانه باسم الاسلام ، أو ينتشر الخنوع والجبن والاذعان في أرضه … و  يندر أن تجد دينا واقعيا يعتمد على العقل كالاسلام ، ويندر أيضا أن تجد رمزا قاتلا كالسيف وقد ارتبط بالدين ، فمع كلمة لا إله إلا الله  يدخل السيف كرمز اسلامي يوضع على العلم يميّزه كما يميز البرقع والذقن المسلمين والمسلمات عن الأغيار. فمنذ الصدوع بالدعوة استخدم السيف كأداة لحمايتها ( حمزة وعمر ثم علي وخالد والقعقاع … ) ، فالتهديد العسكري باشرها وهي في المهد، ولم تفلح السرية والسلمية في تجنب عنف قريش ، في مثل ذلك المجتمع البدوي الصحراوي يصبح السيف هو الشيء الوحيد الذي يبقيك ويمنعك :

ومن لم يذد عن حوضه بسلاحه يهدم ومن لا يظلم الناس يظلم

… لم تظهر الدعوة الاسلامية في دولة مستقرة يسودها النظام ، بل بعث الاسلام  في جاهلية عربية صحراوية بدوية  تمتهن الغزو والحرب ، ولم يوجد انفصال بين السيف والعنف وبين الاسلام منذ بدايته كدين … مع أنه جاء لانهاء هذه الحالة من الوحشية ( فما أخذ بالسيف بالسيف يذهب ) كما قال الانجيل ، ومن التناقض أن ندعوا للسلام ونستخدم العنف ، لكن من الصعب أيضا أن نتخلص من العنف بالسلم وحده ، وهنا الخطورة … لأن الخروج من دوامة العنف والوحشية ضمن امكانات ذلك الواقع كان يتطلب استخدام الأدوات المتداولة المتاحة ومنها السيف … هنا الغاية والمقصد تتناقض مع الوسيلة والأداة ، وبالتالي تصبح السلفية نوعا من الردة والعودة للهمجية ، و تقليد البداية ولحظة التأسيس بشكلها يتناقض مع مقاصدها ، خاصة بعد التغير والتقدم الكبير الذي حصل قسم منه بفضل الاسلام ذاته ، الذي يقصد منهجه الوصول للرحمة والعفو والحرية والسلام، و قد استخدم ما أتيح له من أدوات لتمكينها كقيم اذا  انتصرت ستبطل أدواته ذاتها وتتجاوزها، فالحالة المثالية هي وجوب التناسب والانسجام  بين الغاية والوسيلة ، لكن هذا نظري وغير عملي في الحياة الدنيا ، وهنا في هذه النقطة يتضح الفارق بين المسيحية والاسلام :

فالمسيحية تعتمد التوكل على القدر وحده بتسليم كامل متخلية عن الفعل والعمل ضمن خيارات القضاء ، فبمجرد الإيمان ومن دون شريعة أو عمل يتحقق الخلاص ، وبالانقطاع للخير فقط  تحارب الشر وليس بمجابهته ( أحسنوا لمن أساء إليكم)  … بينما الإسلام يعتمد على العقل في القضاء والعمل بالأسباب ، قبل أن يتوكل على القدر الفاعل فيهما ، مفهوم الاسلام  عن القضاء والقدر متطور عن فهم المسيحية ، التي لا تهتم بالقضاء كوجود يمكن عقله والعمل فيه بل تدعه لقيصر ، المسيحية كدين تختلف في هذه النقطة عن الاسلام واليهودية بأنها تختص بالقدر فقط والتسليم به ، فالرب هو كل شيء وبالتالي نحن لاشيء ، وايماننا به لوحده ينجينا ويضمنا لفردوسة ( من آمن بي ومات سوف يحيى ) ولا يهم ولا يضر بعد الإيمان كل ما يحدث في الدنيا ، ليس العمل فيها هو بوابة الآخرة، وليس للشريعة ضرورة بعد الإيمان الذي يجب الانقطاع إليه … بينما يرى الاسلام وقبله اليهودية أن العمل في الدنيا هو وسيلة الفوز بالآخرة، ولا يجوز الاعتماد فقط على الشفاعة والرحمة ، الدنيا وإن كانت غير مهمة بذاتها لكنها مهمة كوسيلة إلزامية  وطريق لابد من المرور به نحو الآخرة  ، وإهمالها أو إلغاؤها هو خسارة للدنيا وللآخرة أيضا … لذلك حُرّم قتل النفس أو إلقاؤها للتهلكة، وأبطل التكاسل والترهبن والانقطاع عن الدنيا للعبادة .

ومن المهم التأكيد أن أدوات الاسلام الأولى التي فرضتها الضرورة ليست جزءا تكوينيا فيه ولا هي خالدة مثل قيمه التي جاءت لتلغي الواقع وتطوره لا لتكرسه ، وعملية ربط الشكل بالمضمون والأداة بالغاية كلل موحد سوف تولد تناقضا مستمرا وتأسيسيا مع الغايات والمقاصد ، وعجزا عن تحقيقها بمقدار التمسك بالشكل و السير مع الزمن ، ناهيك عن تغير الجغرافيا والعلوم والخبرات .

جوهر الإسلام إذاً ليس في أدواته القديمة كالسيف و الشريعة الوحشية التي كانت سائدة ، ولا في استخدام العنف ، ولا حتى حجاب المرأة الصحراوي ، أو ذقن البدوي المسترخية و قميصه القصير … هذه أدوات فرضتها الضرورة والظرف، وهي ليست جيدة بذاتها أو مقدسة لذاتها ، بل بالعكس : إن هدف وغاية الدعوة كان تجاوز هذه الظروف وهذه الأدوات معا نحو حالة أرقى وليس تكريسها ، فالابداع والتحديث والتغيير في الأدوات هي جوهر أساسي وشرط لاستمرار نجاح الدعوة الاسلامية في الحفاظ على مقاصدها …

هنا مشكلتنا مع الأصولية التي تفهم الأصل في القديم كما هو ، ليصبح الشكل الأكثر قدما أيام الرسول والصحابة هو النموذج الاسلامي المثالي الذي علينا تقليده… مع أن الاسلام كان ثورة على واقعه المتخلف البربري ، استخدم من هذا الواقع أدواته مضطرا ليتجاوزه بها ، وليس ليحفظها ويكرسها كأدوات مقدسة … فأصل العقيدة في جوهرها الذي لا ينسجم مع الشكل القديم ، بل ينسجم أكثر وأكثر مع أشكال أكثر قربا وملاءمة لغاياته ومقاصده السلمية الرحيمة ، واستمرار نجاح الدعوة وأمانتها لمقاصدها هو بمقدار الانتقال من الأداة التي تناقض الغاية  للأداة التي تناسبها وتنسجم معها، لتقترب تدريجيا وبشكل عملي من الحالة المثالية ( التي سعت إليها الدعوة المسيحية )  حيث الأدوات يجب أن تنسجم مع الغايات ، وبالتالي وبهذه الطريقة تصبح الأصولية (الصحيحة) هي التقدمية التي تعتمد الابداع والابتكار والتطوير والتحديث في الأشكال والمفاهيم ، وليست الأصولية (الرجعية) التي تعود بنا للماضي . أما السلفية ( الصحيحة ) فهي ليست تقليد السالف من الأشكال بل صيانة ورعاية وتجسيد السالف من القيم والمقاصد وتطويرهما … لأن الشكل القديم وأدواته يتناقض مع الجوهر بشكل متزايد مع تغير الظروف وتطور الحضارة.

وبدلا من المنهج الأصولي السلفي التقليدي السائد حتى الآن والذي وضحناه أعلاه ، وبعيدا عن الأدوات الجاهلية التي كرسها هذا المنهج ( السيف، والاستبداد، والغاء دور المرأة واحتجابها واعتبارها ظعينة ومنعها من الخروج والعمل ، واعتماد الشرع الجاهلي أي التقطيع والتمزيق والجلد والرجم … إلخ ، كأدوات ثابتة بل مقدسات ورموز اسلامية  والتي تجعل من الاسلام رمزا للتخلف والعنف في العصر الحديث )  بدلا من ذلك يجب استخلاص جوهر العقيدة وقيم الدين واستخدام الاسلام الحقيقي الخالص كدين رحمة ويسر وسلام ومحبة وتسامح وغفران … فكيف نحافظ على الجوهر من دون تغيير الأشكال والأدوات ، التي لم تعد مقبولة اليوم ، هل نربطها مع الجوهر ليدفن معها أم نفصلها عنه ليعيش بأشكال جديدة ( لأن ما ينفع الناس يبقى ) .

إذن لا بد من منهج عقلي فقهي يفصل بين المقاصد و الوسائل ، وبين الغاية والأداة ، لكي نتخلص مما أراد الاسلام التخلص منه ( الهمجية ) ، خاصة وأن الأداة ليست شيئا محايدا إنها جزء من الغاية أيضا ، الأداة تطبع من يستعملها بطابعها وكذلك تطبع العمل الذي ينفذ بها .. (قل لي ماذا تستعمل ، أقول لك ماذا تفعل ، ومن أنت) ، فالناس عبيد أدواتهم ، يحكم بها عليهم ، وغالبا ما يصبح الشكل والأداة غاية بحد ذاتهما … فننتقل من الاسلام الذي نحققه بالسيف،  لمجرد سيافين لا دين لهم ( داعش ) .

العنف في الاسلام محدد ومحصور بمهمة وحيدة هي الدفاع فقط ، وكل عنف هجومي هو عدوان أثيم ، فالأصل في الاسلام هو السلام ، ولا يجوز استخدام القوة والعنف لفرض العقيدة ، بل فقط لازاحة الطواغيت التي تحول بين الناس وحريتهم ، لا يستخدم العنف والقهر لفرض الدين والتدين ، بل فقط لمنع الجريمة التي تهدد السلم الاجتماعي ، فالعنف محدد ومحصور بسلطة القضاء كسلطة نتجت عن حق الدفاع المشروع لكل فرد يتم تفويضه لمؤسسة تمنع تجاوز البشر على بعضهم وتلغي العنف بينهم ( كل المسلم على المسلم حرام ماله ودمه وعرضه ) ،

العنف مباح ضد العدوان الخارجي بل هو فرض عين ، وهنا قوة ومنعة الاسلام ، والجهاد بالسيف فرض كفاية لتحطيم الطواغيت وتسويد نظام حرية الاعتقاد … وغير ذلك لا يبرر استخدام العنف والسيف باسم الاسلام  … وما حدث في التاريخ خارج هذين الإطارين من حروب هو صراع بين دول وامبراطوريات ، لا علاقة له بنشر الدعوة إلا من حيث النتيجة التي نتجت عن الانتصارات العسكرية ، أما اعتماد الجهاد بالسيف وسيلة لنشر الاسلام  فهذا يتناقض مع مبادئه  إذا استعمل ضد دول تحترم حقوق مواطنيها خاصة حرية الاعتقاد .

{ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (100) } (سورة يونس 99 – 100)

أما آيات القتل والقتال الأخرى فهي تتعلق بصراعات عسكرية عادية وتحالفات تمت خيانتها . وكلها تقع ضمن قانون الحرب في ذاك الزمان ، وليس لها دافع ديني دعوي :

 { وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (190) وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (191) فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (192) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (193) الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (194) } (سورة البقرة 190 – 194)

{ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا (91) } (سورة النساء 91)

{ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) } (سورة الأَنْفال 61)

{ وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (12) أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (13) قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (14) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (15) } (سورة التوبة 12 – 15)

الدعوة للدين بعد تحطيم الاستبداد والطواغيت بالقوة ، تتم بالحكمة والموعظة الحسنة ، لا إكراه في الدين ، فكل اكراه يولد منافقين وليس مؤمنين والنفاق أشد من الكفر . لكن تحطيم الاستبداد وفرض احترام حقوق البشر هو واجب شرعي يستوجب الجهاد لتحرير الانسانية منه ، وهو ما يميز الاسلام كدين عالمي ايجابي لكل البشرية . فعندما يسود العالم نظام تحكمه معاهدات وتوافقات تحترم حقوق الانسان ، يتوقف الجهاد والقتال الخارجي وتبطل شرعية شن الحروب ويحرّم خرق العهود .

أكبر خلل فقهي في هذا المجال  هو استخدام الحديث الشريف ( من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، وإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان )  فهو بالأساس دعوة ضد السلبية ، لربط الإيمان بالفعل الذي يواجه المنكر … لكنه استخدم في غير غايته ، كتفويض لاستخدام العنف بشكل مطلق للجميع ، من دون محددات لهذا المنكر ، ومن دون محددا لعملية استخدام اليد : من ؟ ومتى ؟ وكيف ؟ …

هنا يتوجب طرح المشكلة التي تواجهنا بسبب استخدام الحديث كمصدر للتشريع ( فقه ابن مالك ) واعتبار القرآن كسند له ، بدل العكس أي اعتماد منهج القرآن بكله وعمومه وليس بجزئه ، واعتبار الحديث كسند وتوضيح له ، ليبقى العقل العارف بالقرآن وجوهر العقيدة هو الذي يحدد الشريعة التي يجب أن تطبق ، و التي يجب أيضا أن يعاد تقييمها دوما مع تغير المعارف والخبرات والظروف … نحن لا ندري إذا اكتمل الحديث أو صح نقله  وكم ضاع منه ، و بالتالي يستحيل أن يؤخذ الحديث جملة كما هو الحال مع القرآن … حيث أوصانا الرسول أن خذوا الدين كله أو دعوه ، وكله لا تعني كل حذافيره فهذا يستحيل ، كله تعني خذوه جملة وعلى العموم ، وعدم أخذ كل جزء بجزئه لوحده ، بل بدلالة كله … وهذا غير ممكن مع الحديث الشريف بالوضع الذي جمع به .

أيضا … ما هو المنكر المفروض أن نغيره ، هل هو ترك العبادات ، اللباس ، عيوب السلوك ، شرب الخمر ، حجاب المرأة … ما هو المنكر الذي يجب تقويمه باليد ؟  في نص الحديث التفويض مطلق ، لكنه وفق العقيدة هو فقط في المخافلات الجنائية التي تهدد السلم الأهلي ، واليد هي فقط المفوضة بذلك أي القضاء وجهازه التنفيذي ، فلا يجوز العدوان على أي شخص حتى تثبت ادانته ، وهذا العدوان لا يجوز أن يكون انتقاما بل عدالة ، حتى القصاص مشروط بالمرور عبر مؤسسة القضاء ، لكن هيئات الأمر والنهي تطلق دعوة العنف بعمومها ، ثم تستخدمها هي لقمع حرية الرأي والمعارضة السياسية وغيرها باعتبارها منكرات يجب دفعها باليد والعصا …

أيضاً نسأل … من يستخدم القوة والاكراه ؟ هل هم فقط الهيئة المفوضة ؟ أم هو فرض عين واجب على كل فرد ؟ هل الهدف من الحديث هو أن يضرب الناس بعضهم البعض كل على هواه وبحسب تقديره !!!  هذه الطريقة الفوضوية في استخدام هذا الحديث تصل لتبرير الهمجية والحرب الأهلية ( إني أرى في قتلك صلاح المسلمين )

أما جهاد الكلمة فهو مباح للجميع ، يقع ضمن باب حرية الرأي ، وهو جهاد مقدس عندما تكون كلمة الحق في وجه الحاكم الظالم ، وسيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى سلطان جائر …

وتغيير المنكر  بالقلب يعني انكاره ومقاطعته وعدم المشاركة فيه ، فأي مشاركة في المنكر تحت أي عذر هو اشتراك في الإثم ، ونصرة للمنكر وليس تغييراً له … فتغييره بالقلب لا يعني ابدا السماح للمشاركة فيه باليد … كما يفعل المتزلفون …

ليس لباس المرأة ولا ترك الصلاة ولا افطار رمضان من المنكر الواجب تغييره باليد ، فهي فقط أخطاء يمكن التعامل معها بالقلب واللسان بشرط اللين وحسن القول … فهي ضمن المكروه أو ضمن المؤجل جزاؤه ، وقد يغفر وحسابه مرجأ إلى الله . ولا يجوز لأي سلطة سياسية أو قانونية أن تتجاوز حدود مهامها في حفظ السلم الاجتماعي ، لتنتهي بالتفتيش على القلوب والنوايا والتفتيش على الذقن والأظافر ومسح الخف والحيض ، ولا على عيوب الناس وذلاتهم  طالما لم تهدد السلم الاجتماعي فتصبح منكرا ، فكل ما لم ينص عليه القانون مباح حتى لو كان لا أخلاقيا ، القانون لا يتدخل بالحرام والمكروه أو بأدب ودين وأخلاق الناس وطعامهم ولباسهم وعاداتهم وتدينهم وتعبدهم … بل فقط يلجم سلوكهم العنيف لأنه مكلف ومفوض بالنيابة عن حق الدفاع المشروع الذي تكفل به جهاز القضاء بمعاييره الدقيقة ، فكل عنف مشروع اسلاميا هو حتما دفاعي ومرهون بسلوك عنيف هجومي جنائي ، هذا هو المنكر الواجب دفعه باليد ، لأن دفعه حق شخصي مشروع ، والأفضل أن يترك تنفيذه للقضاء ، وما عدا ذلك فلا سلطة مفوضة به ، ولا تدخل من أحد بيده ، لأن أي تدخل قهري سيصبح عدوانا على حرية وخصوصية الشخص المصونة بموجب القانون أيضا ، والتي أرادها الله لتكون  سببا في مسؤوليته وحسابه أمامه ….

بقي في هذا الصدد أن نعرج على مفهوم الجهاد في الاسلام :

حيث تهيمن حاليا آيديولوجيا الجهاد ، و الجهاديون اليوم هم من يشكل رأس الحربة، بل الجسد العسكري للشعوب المسلمة في حربها للدفاع عن وجودها ، ودعوة الجهاد هي التي سترجح احتمالات النصر فيها بسبب خيانة وخذلان الحكومات وانقلاب الجيوش على مواطنيها … وهذا فضل يجب أن نعترف لهم به… فهم من يضحي بالنفس ويقاتل ، ويسطر البطولات التي تردع المعتدين والطغاة …

وجهاد الدفع هذا ليس بحاجة لفتوى ولا إجماع ولا سلطات  فهو فرض عين، واجب الأداء على كل مسلم أن ينصر أخاه المسلم عندما يتعرض للعدوان . فالمسلمون كالجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى ، والدخول في دين الاسلام يعني الانضمام لحلف السلم بينهم والذي يتضمن الدفاع المشترك ، والمسلمون في هذا كأي حلف سياسي عسكري يشمل واجب الدفاع المشترك … آثم كل مسلم لا ينصر أخاه في محنته ، وآثم كل مسلم يعتدي على حقوق مسلم آخر أو يتطاول عليه .

الجهاد واجب لا يصح الاسلام من دونه ، فالإسلام ليس فقط في التوكل والدعاء بل في العمل أيضا ، ومن لم يجاهد أو تحدثه نفسه بالجهاد، مات على شعبة من النفاق ، فالحياة التي فطرت على الخير والشر لا بد لمن يعيشها أن يسعى للخير ويكافح ويصابر ويجاهد من أجله، وأصعب الجهاد هو جهاد النفس هواها ،  وخيره هو الجهاد بالنفس الذي هو بوابة الجنة ، أما أفضله فهو قول الحق والجهر به .

وعندما تستهدف دول وجيوش أجنبية  بلاد المسلمين وتشن الحرب عليها … فمن المنطقي أن يهب الجميع معا للدفاع عن أخوتهم الذين ابرموا معهم حلف الاسلام ، عندما نطقوا بالشهادة التي يشهد الله عليها ، لأن التخاذل أمام العدوان سيعني التمادي فيه، ويعني أن الجميع قد يستهدف لمجرد هويته واعتقاده … فالفزعة والنصرة ودعوة الجهاد هي أمور منطقية معتادة في تاريخنا وفي الحياة الانسانية … وليست حدثا جديدا مستحدثا ، أو موضوعا اشكاليا يستوجب الفتوى من العلماء .

أما الجهاد خارج حدود دولة الاسلام  وخارج غرض الدفاع فهو ليس فرض عين، بل يحتاج لشورى ، وهدفه تحرير البشر من سلطة الطواغيت التي لا تخلي بينهم وبين حرية اعتقادهم . فإن كفت وعقدت معاهدة السلم ، بطل السيف وحل محله الدعوة لدين الله بالحكمة والموعظة التي هي أحسن ، لأنه لا يمكن فرض الدين بالقوة على أحد ، فالدين سلطة ضمير حر يجزي بها الله … وهكذا يكون جهاد الدفع مطلق وفرض عين ، ويختلف عن جهاد الدعوة، أو الخروج على الحاكم الذي يحتاج لقرار من أهل الحل والعقد وهو فرض كفاية … المشكلة هنا أن  الجهاديين غير موحدين في مرجعيتهم، فالهيئة الدينية الواحدة المفترض بها توجيه هذه الدعوة غير موجودة، ومعظم الهيئات الدينية المختلفة تعيش على موائد الحكام، لذلك تنطلق هذه الدعوات من مناطق مختلفة، ومن زعامات مختلفة، وتميل للتنازع والتصارع والاقتتال فيما بينها أيضا.

المشكلة ليست فقط تنازع الجهاديين، بل في توسعهم عن غرضه ومحاولتهم فرض نموذج للحياة والحكم يصعب كثيرا تطبيقه في هذا الزمان، تبعا لمفهومهم المتشدد عن الدين وحرفيتهم في تقليد الماضي، وعدم قدرتهم على تجاوز حرفية الشريعة لمقاصدها، لذلك سرعان ما يميلون لتكفير المجتمع، والانقضاض عليه قمعا وتشريدا عندما يعجز هذا المجتمع عن تنفيذ طلباتهم، رغم أن شرعية جهادهم مستمدة من الدفاع عن المجتمع … عندها يستمر الجهاديون  في حالة حرب مستمرة خارجيا وداخليا كضرورة للبقاء يديمونها ويستديمون بها . كما تفعل الثورة الاسلامية الشيعية في ايران، وبقية النظم الثورية الاسلامية السنية في أفغانستان وفي الدولة الاسلامية داعش ، وبقية الإمارات قيد التكوين ، فهي تحول العنف المستخدم في حق الدفاع لعدوان مستمر .

كما أن تلبية فريضة الدفع لا تتم من قبل عموم المسلمين، القلة فقط من يستجيب لها ، ونسبة غالبة ممن يهب فعلا لتلبية فريضة جهاد الدفع هم نوعية خاصة جدا من المتطوعين، منهم وليس كلهم من لا يأتي لمساعدة المظلومين بقدر ما يستغل هذا الفرض لتلبية دوافعه الذاتية الخاصة، وأحيانا تصريف عقد سلطوية ونفسية وجنسية، قاصدا التحكم بالبشر والسيطرة عليهم واخضاعهم لسلطانه … وهنا يظهر الوجه الآخر السلبي للجهاد الذي يجري تضخيمه وتعميمه، والذي يستنفر عند الآخرين دوافع رفضه وانكاره ، ويُستغل عند الدول الخبيثة لإلصاق صفة الارهاب به، وإعلان الحرب على الجهاد كل الجهاد، لنزع هذا السلاح من يد الاسلام .

فعندما لا يكتفي المجاهدون بواجب الدفاع عن الناس، ولا يكتفون بأجر الآخرة، بل ينتقلون مباشرة لطلب السلطة والسلطان والأمارة والتحكم بالثروة، وينفذون ما لا يجوز فعله في من يخالفهم  ولا يطيعهم، و يسارعون لتكفير ليس الأقليات فقط، بل معظم العامة واعتبارهم مرتدين، وينسوا أن مبرر وجودهم  هو نصرة هؤلاء الذين ظلموا، والذين أصبح عليهم أن يتخلوا عن حريتهم لعبودية جديدة تحكمهم باسم الدين والمقدس والشريعة التي لا تطبق إلا بهدف ترهيبي وحشي ( القذف من شاهق أو ذبح بالسكين أو تقطيع أيدي و رؤوس أو رجم بالحجارة أو تحريق بالنار … ) كل هذه البربرية تستخدم كشريعة اسلامية .

… وهكذا نرى أن كل هدف سياسي سلطوي لدعوة الجهاد هو بوابة لفسادها وخروجها عن مقصدها الشرعي وهو الدفاع  … فإقامة الخلافة وتأسيس الدول شيء مختلف تماما وكليا عن جهاد الدفع ، في مبرراته وأدواته ، إنها دعوة رشد ونصح لا يجوز فيها استخدام العنف والإكراه، لأن الأمر والأمارة هي شورى بين الناس …  والخلط بين جهاد الدفع واقامة السلطة هو انتهازية تسلطية تبرر ذاتها بحق لتطغى وتعتدي على حق آخر … وهي من العيوب الفقهية المعاصرة التي نعاني منها .   

… يتبع … المحكم والمتشابه في القرآن الكريم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.