الإسلام وتغير أنظمة الزواج

د. كمال اللبواني

الدكتور كمال اللبواني

الدكتور كمال اللبواني

بعد فتح مكة عندما أسلمت زوجة أبو سفيان هند بنت عتبة والدة أول الخلفاء الأمويين )معاوية( طلب منها الرسول صلى الله عليه وسلم أن تعاهده على ألا تزني ، فأجابت مستغربة وهل تزني الحرة ؟  …فالزنى  (في قناعتها )  هو أن تخون الأمَة أو العبدة مالكها ، أما الحرة فلا ينطبق عليها فعل الزنى لأنها تملك الحق في معاشرة من تشتهي من الرجال بإرادتها ( في إشارة للاستبضاع ) أي أن  زواج الأحرار لا يحصر العلاقات الجنسية ضمنه كما في مفهومها عنه ، بل إن وظيفته الأساسية هي حفظ النسب وملكية الأبناء وعدم التنازع عليهم ، أي هو عند العرب عقد بين الرجل والمرأة لإنجاب الأولاد ونسبتهم له ، لذلك يمكن للرجل زيادة عدد الزوجات حسب استطاعته ورغبته في مجتمع ذكوري يعتمد على النسب ورابطة الدم ، فمؤسسة الزواج كما سنرى ليست هي الحقل الحصري لممارسة الجنس في الإسلام ، والجنس ليس مكروها أو ممنوعا .

( حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء )

{ وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32) وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهُّنَّ فَإِنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33) } (سورة النور 32 – 33)

الإسلام مختلف عن المسيحية التي تعتبر ممارسة الجنس خطيئة لا يسمح بارتكابها إلا ضمن عقد ورباط مقدس باركه الرب وأذن به ( الزواج الكنسي ) . المسيحية ترى التدين في التنسك والانقطاع عن الدنيا ، فكل ما له علاقة بالغرائز والشهوات هو عائق يعطل الانعتاق والتفرغ للعبادة التي هي حالة انتظار لقيام مملكة الرب ، فالحالة المثلى هي الرهبانية ، ورجل الدين عليه أن ينقطع عن الدنيا وشهواتها ويختتن للرب ، وهو بهذه الصفة يرتبط بعقيدة الخصاء التموزية التي لا ينضم فيها لرجال الله (ويصبح كاهنا ) إلا من بتر قضيبه في طقس تموزي خصائي يرتدي بعده ثوب التدين والكهانة.

[ اكتشف فرويد رمزيته فاستخدمه لتوصيف الأنوثة : كذكر فقدَ قضيبه (عقدة الخصاء) حيث لا يمكن الوصول لتعريف واضح محدد للأنوثة إلا كذكورة مخصية محبطة متكيفة ومتشاركة في المتعة مع الذكورة الصحيحة ، وبحسب متطلباتها ، فالأنوثة وظيفيا وهرمونيا ونفسيا هي ذكورة لكن من دون عضو ذكري بحسب فرويد ]

بينما اعتمد العرب على كثرة الأولاد والعزوة ، واعتبر تعدد الزوجات وكثرة الأولاد فضيلة ومفخرة بينهم وهذا أيضا ما وافقه الإسلام ( تناكحوا تكاثروا فإني مباهي بكم الأمم )

{ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) } (سورة آل عمران 14)

نشأ نظام الزواج وتطور في مرحلة من الحضارة كضرورة لمنع الصراع بين الذكور على ملكية النساء . و أضيف إلى وظائفه حفظ حق النسب ، ولكنه لم يكن عقدا حصريا للجنس إلا في الديانة المسيحية . فالرسول محمد صلى الله عليه وسلم هو قدوة المسلمين ، وسنته هي مصدر للتشريع :

{ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (50) } (سورة الأحزاب 50 – 52)

فقد استمرت في الإسلام عدة أنواع من العلاقات الجنسية المشروعة : تعدد الزوجات ، وزواج المتعة ، وما ملكت اليمين ، أو ما استؤجر منها بالمال بغاء الإماء :

{ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (24) وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (25) يُرِيدُ اللهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا (28) } (سورة النساء 24 – 28)

 ثم حُدد تعدد الزوجات لاحقا بأربعة واستثنيت حالة الرسول ( 13 إمرأة ) مع أنه أسوة حسنة ، وعمله سنة تتبع ، فهو خير الخلق ، وعلى أكمل خلق . لكن الفقهاء خرجوا بالتفسير عن مساره وسياقه، وقاموا باقتطاع جزء من آية قرآنية تتحدث هي وما قبلها عن العدل بين الأولاد (أولاد الرجل ، وأولاد زوجته من غيره ) ، أي أولاد الزوجة الثانية الذين فقدوا أبوهم وتزوجت أمهم من غير زوج ، والذين يجب أن يعاملوا معاملة الأبناء الفعليين ، وهذا ما قصد بالعدل والقسط في اليتامى ، كما ورد في صريح الآية ، وليس العدل المقصود بين الزوجات كما فسروا كذلك خطأ متعمدا .  فما دخل خوف الإعالة بالعدل بين النساء …   ؟؟؟              فعليا لا يوجد نص محكم يحدد عدد الزوجات ، بل إن هذا التحديد نشأ فيما بعد عندما نظمت الشريعة وبوبت ، فاجتهد الفقهاء بضرورة تحديد عدد الزوجات عندما بلغت المئات عند بعض الأمراء والأغنياء، فأخذوا عن الاسرائيليات ( التوراة التي تحدد العدد الأقصى للزوجات بأربعة ). بينما تزوج الرسول وبعض الصحابة المقربين والخلفاء عددا أكبر من ذلك .

{ وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2) وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (3) وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4) } (سورة النساء 2 – 4)

من الناحية العلمية  يحكم الرغبات الجنسية نوعان من المورثات، واحدة تشكلت منذ عشرات ملايين السنين عندما كان أسلاف الجنس البشري يعيشون على الأشجار ، حيث يعشش الذكر والأنثى في حالة حب وعشق ويتعاونوا لتنشئة الأولاد ورعايتهم وحمايتهم ( أفرودايت )  ، ومورثة أخرى تعود لملايين السنين فقط  أي بعد نزول أسلافنا عن الشجر وعيشهم على شكل قطعان، حيث يسعى الذكر للوصول لمعظم إناث القطيع من دون ارتباط وتخصيص ، ويمارس الجنس كفعل التهام واختراق وهيمنة وعنف وقتل رمزي ( إيروس ) ، فالنوع يتحسن بفعل المنازعة والمباراة والتنافس بين الذكور كآلية للاصطفاء ، حيث يسود الأقوى والأكثر عنفوانا من الذكور على غيره ويمنعهم من مقاربة الإناث ، ويجبر اليفعان الأضعف منه على التخنث وقد يستعملهم كأناث رمزا لقوته ، وشرطا لبقائهم في حظيرته ، وهو ما تكرس في المورثات التي تقف وراء الرغبة المثلية الجنسية ، التي تكثر في مجتمعات معينة ( قوم لوط ) ، بينما تحظى الإناث الأجمل والأكثر غواية بمن تريد من الذكور المهيمنين ، وهو ما تكرس أيضاً في مورثات الأناث وظهر في طباعهن ( بفعل قوانين الارتقاء الطبيعي وتطور الأنواع )

لم تنظم العلاقات الجنسية المحكومة بكلا الدافعين والرغبتين إلا في مرحلة متقدمة من الحضارة، حيث قمعت بشكل متزايد الرغبة القطيعية ( إيروس ) بسبب تطور قدرات الانسان وامتلاكه لأدوات القتل ، وهو ما جعل التنافس على النساء يتجاوز العراك الحيواني للصراع البشري المميت ( المبارزة ) وهدد القطيع والعشيرة بالانقراض ، فتطورت نظم القطيع البدائي وتحولت للعشيرة ثم القرية والقبيلة ، وتطورت عملية تنظم ممارسة الجنس ، وحصنت نظمها بالتقديس وبحراسة السلطات ، وبقي نسب الولد لأمه في البداية ( المجتمع البدائي الأمومي ) ، و ازداد الاعتماد على النظم في تطوير الحياة المجتمعية وأصبح تنظيم الجنس وسيلة فعالة في رفع سوية النظام الاجتماعي وترقيه وتمايز سلطاته ، فأصبحت الأسرة المكونة من رجل وامرأة متزوجين شرعيا بمعرفة السلطات وبعقد مشهود هي الخلية الأساسية في المجتمع ، تتحمل المسؤولية التامة عن تنشئة الأطفال ، وحكمت علاقات النسب وروابط الدم النسيج المجتمعي الحضري وشكلت العائلة والقبلية ، وصار النسب والقرابة رابطا أهليا طبيعيا طاغيا على كل الروابط الأخرى العقدية ، وهكذا كبرت العائلة لتصبح قبيلة لتصبح قوما ثم أمة .

بمقدار الحاجة لرابط القرابة والنسب ، بمقدار الحاجة لتنظيم العلاقات الجنسية وضبطها ، والذي تطلب التركيز على النوع الأول من المورثات التي تعود لسكن الأشجار ، وتطلب قمع وتقييد النوع الثاني القطيعي الذي دخل باب التحريم والمنع ، وهو ما جعل كل نظام جنسي لا يعترف بهذه المورثة ورغباتها مخالفا للطبيعة البشرية ومهدداً  دوما بالانفراط ، بينما صار استقرار كل حضارة وسلم اجتماعي مرتبطاً بضبط الجنس والسيطرة عليه ، ونتج عن ذلك ما نعرفه من قيم جنسية تقليدية بلغت ذروتها في المسيحية وسادت حتى العصر الحديث معتمدة فقط على غريزة الجنس الأولى ( الأفروديت ) ولا غية النوع الثاني ، مع بداية الثورة الصناعية حدث تحول جذري في مجموعة عوامل اقتصادية واجتماعية وعلمية تكنولوجية أدى لتفكك هذه القيم والعادات من جديد وتحللها ، وأعاد الاعتبار تدريجيا للدافع الثاني القطيعي ( إيروس ) المحرم والملعون سابقا ، وهو المسار الذي ظهر وكأنه انحطاط وتخلي ، بنفس القدر الذي يعترف به بطبيعة الإنسان ويعيطه حرية تحقيق رغباته. وهكذا تعايش النموذجان من الرغبات معا في نظام زواج رخو ومرن .

نعدد من هذه المتغيرات :

  • – بسبب الرأسمالية تحطمت البنى البطريركية و تطورت أنظمة العمل الأجير وصار بإمكان المرأة أن تنتج وتعيل وتستقل مالياً واجتماعيا ، ونشأت الفلسفة الليبرالية .
  • – تراجع دور الأسرة الاقتصادي، وأصبح كل مواطن مرتبط بالدولة، التي قدمت منظومة ضمانات ضد الفقر والعوز و من أجل التربية والتعليم والصحة والشيخوخة وكفلت الأمومة وحقوق الأطفال . مما ساهم في طرح موضوع المساواة بين الرجل والمرأة ، وتحرر المرأة.
  • – تنامت قدرة أجهزة الأمن وسلطة القانون ، وصارت مسؤولة عن لجم السلوك العدواني الجنسي وقادرة على الدفاع عن الضعفاء ، وحلت محل نظام القيم المقدسة التي تعتمد على قوة التابو  والخوف الأسطوري .
  • – تطورت وسائل الطب وإمكانيات فصل المتعة الجنسية عن الإنجاب ، والتحكم به ، ومنع الحمل ، والإجهاض .
  • – تطورت وسائل كشف الحمل المبكر، وبالتالي قصرت المدة اللازمة لاكتشاف حدوث الحمل بعد الطلاق ولم تعد ثلاثة دورات حيضية كاملة ( العدّة ) .
  • – تطورت وسائل تحديد هوية الجنين الصبغية ومعرفة الأب الحقيقي ( DNA، HALA ) وبالتالي بطل مبرر التنازع على أبوة الوليد في حال زواج الرهط ، وصار بامكان المرأة أن تجادل بموضوع المساواة وتطالب ( بتعدد الأزواج مقابل تعدد الزوجات ) فهي أقدر على العدل بينهم .
  • – تطورت بشكل هائل وسائل التواصل والتعارف والتنقل ، ونشأ عالم افتراضي فعال يساهم في الاختلاط الجنسي ، وفي تبادل الثقافات وعولمة القيم والسلع والنظم والموضة والممارسات الجنسية .

لقد تغيرت تدريجيا نظم الحياة وعادات الاستهلاك ، ولم يعد القانون مسؤولا عن تنظيم وشرعنة العلاقات الجنسية، التي لم تعد تعتبر تهديدا للسلم الاجتماعي الذي تكفل القانون بصيانته ، بل انتقلت لسوية التراضي المدني والأهلي، واختص القانون فقط في منع العدوان أو الاستغلال الجنسي أو تجارته … ولم يعد هناك فارق بين الزواج الرسمي والمعاشرة إلا من النواحي المالية . وانطلقت غريزة الجنس لتحقق المتعة بالطريقة والممارسات التي ترضيها متحررة من القيود ، ولم تعد محصورة بهدف الإنجاب بل أصبحت بهدف المتعة ، وتراجع الإنجاب لفعل اختياري إرادي، واعتبرت كل المخالفات في الممارسات الجنسية ، بما فيها الشذوذ  والمثلية أنماطا من ممارسة الغريزة تقع ضمن الممارسات المشروعة ، التي تعبر عن البنية المورثية النفسية وعن الهوية الجنسية التي ليس للفرد مسؤولية عنها ، ولا يجب أن تعتبر جناية أو جرم مرتكب بحق الآخرين ، من باب ضمانة الحريات والحقوق الشخصية في امتلاك واستعمال الجسد الذي لم يعد مرهونا بموافقة الآخرين وشرفهم ، فشرف الرجل لم يعد مرتبطا بجسد المرأة وعوراتها ، كما لم تملك المرأة سابقا شرفا يقابله في جسد الرجل ، ولم يعد للمهر ضرورة كصداق ( برهان صدق  وضمانة لتنفيذ الإلتزام ) يقدم للمرأة التي تتحمل هي العواقب بسبب حملها وتخشى من هجر الرجل لها ، فنفقة الأولاد تقع اليوم على عاتق وزارة الشؤون الاجتماعية ، ولم يعد ارتداء المصاغ الذهبي استعراضا  لقيمة هذا المهر الذي يشبّه الأنثى بالسلعة ويحولها لأمَة في ذمة الرجل ، خاصة وأن هذا المصاغ هو تجميل للسلاسل والقيود التي ترمز للعبودية (  محبس ، اسوارة يد وجنزير ، سلسلة في العنق ، وحلقة في الأذن ، وخلخال للقدمين )، وهي كلها من القيود التي تستعمل في تقييد العبيد ، لكنها هنا مصنوعة من ذهب لتعبر عن قيمتها المالية ، من دون أن تنكر وظيفتها الأصلية الاستعبادية ، فالزواج هو استعباد وامتلاك جسد المرأة بالمال وهو يعتبر أرقى السلب بالقوة والاغتصاب أو  الخطف السبي والاستعباد القسري ، لكنه ليس تكريما للمرأة أن تأخذ ثمنا لعقد النكاح  وعقد الطاعة الجنسية ففيها شيء من الرخص والبغاء ، فجمال المرأة في عبوديتها وقيودها و ارتداء الحلي التي تذكر بعبوديتها والتباهي بها  من دون تفكر ووعي ، حيث يُسرّ لها الرجل ويطمئن لتفوقه ( قوامون ) .

في أغلب دول العالم لم يعد الزواج عقدا حصريا لممارسة الجنس أو رباطا مقدسا  إلا بحدود ما يقدمه من خير وطمأنينة وإنجاب ، صار الزواج الحديث عقداً طوعياً لإنجاب وتنشئة الأطفال … وانتشرت إلى جانبه أنواع من المعاشرة قريبة منه لكن من دون عقود وشروط مالية ، كما شاعت لدرجة طاغية الممارسات الجنسية من دون وقبل وخارج الزواج ، ولم تعد تعتبر مخالفة قانونية تستوجب القصاص ، بل مجرد مخالفة أدبية ، وفي المقابل امتلكت المرأة عصمتها وحقها في جسدها من دون تدخل من أحد بما فيه حق الانجاب والاجهاض والطلاق ، وقبول أو رفض ممارسة الجنس حتى مع الزوج ، وأصبحت جريمة الشرف جريمة قتل كأي جريمة أخرى ، وسقط العذر المحل وسبب التخفيف … وأصبح تعدد الزوجات مخالفا لحقوق المرأة ومبدأ المساواة بينها وبين الرجل ، ومنع في دول كثيرة (منها دول مسلمة ويهودية )،  والأولاد لم يعودوا ملكا حصريا لأهلهم، بل صار للمجتمع حق الإشراف على تربيتهم وتبنيهم ، وضمان حقوقهم الجنسية ، خاصة للفتيات ، أي أصبح الطريق مفتوحا أمام تصريف غريزة الجنس القطيعي بشكل فعلي، والتي لم تعد من المنكر والمحرم إلا أدبيا في حال الاتفاق على عدمها في المعاشرة والزواج الذي يصرف غريزة الجنس الثانية .

هنا نسأل كيف سيكون موقف الدين ( أقصد رجال الدين لأن الدين يتيح أكثر من طريقة لعقله وتطبيقه) أي كيف سيكون موقفنا من كل هذه المتغيرات التي طغت وتطغى كسيل جارف ، هل نتمسك بالنظام القديم ونطبق ما تقوم به داعش ( باعتبار أن دولة الخلافة الاسلامية في العراق والشام هي الدولة الوحيدة التي تقيم حد الزنى والفاحشة في المنطقة ) أم نستمر في تجاهل هذا الموضوع  وتفضيل (الستر عليه) بدل تطبيق الحد عليه ، أي نستمر في السكوت عن المخالفات والتراجع أمامها حيث لا قدرة لنا على السيطرة عليها ، بل نتواطأ معها ضمنا ، ونشارك فيها ، كما هو حال المسكوت عنه والمستور لزوما ووجوبا … لقد شهدنا منذ طفولتنا كيف ينهار نظام العرف والتقاليد ، وكيف تشيع الممارسات الجنسية قبل وخارج الزواج… التي لم ينفع في وقفها شيء ، حتى وصلت إلى نسبة تكاد تقترب من نسبتها في المجتمع الغربي… فمنذ متى لم نسمع عن فتاة ذبحت ؟  وكم هي نسبة الخيانات والعلاقات الغير شرعية برأيكم ، طبعا لا تسأل عن عدد مرات تكرارها بل نسأل عن ارتكابها ونسبة مرتكبيها …

نحن لا نتبنى أي شيء حتى لا نُتهم بتدمير العرف ، لكن هذا العرف يتغير تلقائيا وعفويا  وبشكل أعمى غير واع لكنه سريع ، حتى أصبحنا نقف على أبواب انفجار اجتماعي تحرري تقوده المرأة ، بسبب حجم التناقضات التي يتسبب بها تغلغل ثقافة جدية مع التمسك المبالغ به بالشكليات التقليدية ، فيتسرب من ثقوبها ما يخالفها ويتراكم مضغوطا وراءها …  ألا تلاحظون عولمة الثقافة ، وكيف يستمد أولادنا ثقافتهم من النت ، كيف ستكون ايران والسعودية في السنوات القادمة ، وكذلك بقية الدول التي يفرض نظامها السياسي والقانوني شكلا اجتماعيا تقليديا محددا أصبح يتناقض جذريا مع نمط الحياة المعاصر الذي لا يقاوم . هل تتوقعون فيها اندلاع ثورة قيم تقودها المرأة وتدعمها الأجيال الشابة ، تترجم نفسها بثورة سياسية على النظم التي ربطت نفسها بهذه التقاليد  ؟؟؟ ... أنا أرى النار تحت الرماد والمسألة هي مسألة وقت وشرارة . فالربيع السياسي العربي الذي طالب بالحرية ، وتحول لخريف وشتاء قارس بسبب غياب ثقافة الديمقراطية وهيمنة المتعصبين المدعومين من الدول المحافظة ، قد يستكمل نفسه في الدول المحافظة ذاتها بطريقة مختلفة ، ويتحول لثورة مجون وتحلل إجتماعي وأخلاقي في وجههم ، إذا لم نعقل الظروف ونتدخل بشكل واع لتدارك مخاطرها .

الدافع الجنسي الكامن في الليبدو يحرك 50% من الرغبات عادة ، وفي المجتمع المكبوت يصل لأكثر بكثير من هذه النسبة ، وهذا مدمر لقدرات الشباب ، ونظام الزواج أو تنظيم العلاقات الجنسية عليه أخذ ذلك بعين الاعتبار ، المفروض أن يعبر أي نظام  عن ظروف الحياة وحاجات الناس والخير العام ، أما الحلال والحرام  فهو نسبي يتغير معه ، حيث في كل عادة وتقليد وعرف هناك ( حلال وحرام ) ، ومنظومة القيم تتحرك مع تتغير أشكال هذه النظم ، وتحمل معها حلالها وحرامها وتجدده ، والذي قد لا يشبه مثيله في منظومة أخرى . هذا المبدأ يعني منهجا جديدا في فهم مقاصد الديانات واتباعها ويعطي مرونة في تغيير أشكالها ، حتى لا يصبح التطور والتغير الذي هو سنة الحياة  مضادا للدين يلغيه …

التطور والارتقاء سنة الكون واستخلاف الإنسان في الأرض لاعمارها هي رغبة الله ، ونظم الحياة الاجتماعية تتغير وتتطور تبعا لتطور مستوى أدوات الإنتاج من تكنولوجيا ومعارف وما يتبع ذلك من بنى ثقافية وسياسية فوقية ، وكلما ازدادت قدرات الإنسان زادت مساحة حريته ونقصت الحاجة لتقييد وقمع طبيعته كشرط لنجاح النظم ، وما كان في نظام قديم شرا وشيطانا ( مضادا للنظام ) قد يصبح مباحا في نظم أرقى تعترف بقدر أكبر من طبيعة الانسان وتعطيه حرية أكبر ، وتنمي قدراته وابداعه ، فمسألة الشيطان هي مسألة نسبية ترتبط بالنظام المفروض ، والكثير من غرائز وحاجات ورغبات البشر الطبيعية تعتبر في نظام ما شرا وشيطانا ، وتصبح في نظام آخر حقا شرعيا ، ومنع وتحريم غريزة القطيع ( الأيروس ) لا يعني أنها ليست من طبيعة البشر ، فالخيانة ليست شيطانا بحد ذاتها بل هي فقط كذلك في نظام الزواج الكنسي ، لكن في أنظمة أخرى تعبر عن سوية أخرى من التطور قد يمكن اعتبارها تعبيرا عن الطبيعة الانسانية ، التي أصبحت مكونا محوريا في قيم العصر الحديث وعنوانا له ، ومن هذا الباب يأتي التحرر الجنسي من سلطة المنع القانوني والقمع ، والتغاضي عن الممارسات التي ترضي الرغبات الطبيعية المحمولة بالمورثات إن كانت حبا  والتزاما ( أفروديت  ) أو عنفا وتغييرا وتعارفا  ( أيروس ) ، أو حتى مثلية ، لتخرج من حظيرة الشيطان ، وتدخل باب التسامح ، مع ما يرافق ذلك من تغييرات قي الشرائع والقيم والعادات وإعادة توزيع للحلال والحرام … هذا ما حصل في الغرب ثم انتشر في أغلب دول العالم ، وتعثر في المجتمعات الإسلامية بسب تكلس شريعتها ، ومفاهيمها  المطلقة عن الحرام  والشيطان . وعجزها عن المقاربة النسبية المرهونة بكل نظام اجتماعي .

 كيف سنحافظ على ديننا العظيم ، ونتابع به كرسالة هدى ورحمة للبشرية من دون هذا العقل والتطبيق الجديد الذي حاولت شرحه في المقالات السابقة، و التي سأجمعها كتابا إنشاء الله .   إنه جواب  لكل من يسأل لماذا الآن أتطرق لموضوعات الدين في هذا الظرف القاسي وبهذه القسوة النقدية على الفقه التقليدي ،   بالله عليكم هل يعقل أن يقدم ديننا بطريقة  ونموذج داعش ، التي تصبح هي نموذجنا رغما عنا ونسكت ،  أي إساءة للدين وللمسلمين أكبر من هذه ، وإذا كنا صادقين مع أنفسنا أليس علينا أن نعترف بأن داعش لم تأت من فراغ ، فالتدعيش متغلغل في الفكر والفقه الاسلامي التقليدي الرسمي ، بل هو تعبيره بشكل أو آخر ، والاعتدال ليس فقها متميزا متبلورا بعد ، بل هو حتى الآن قصورا واجتزاءً في تطبيق الفقه التقليدي  . الذي يحقق المعادلة ( نصف إسلامي = معتدل ، إسلامي كامل = داعش ) والتي تعني الحاجة لانتاج فقه جديد مختلف ، حرصا على هذا الدين وحفظا له ، بعكس من يتوهم أنه يحفظه بالتمسك الصارم بأشكاله القديمة ، فيخنقه بها ، أي أن تطوير أشكل تطبيق الدين هو ما يحفظه ويديمه ، وليس التمسك الصنمي بالماضي شكلا ومضمونا ، فبقاء المضمون يتطلب تغيير الشكل وتكيفه مع تطور نظم الحياة .

…يتبع :                                                 

( خامسهم … عمر )

فلسفة السياسة عن الخلفاء 

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *