الاستثمار الإمبريالي في الإرهاب الإسلامي.. جيل جديد من القاعدة برعاية أمريكية

د.كمال اللبواني

الدكتور كمال اللبواني
الدكتور كمال اللبواني

يصعب علينا السكوت عندما نرى مؤشرات جديدة لتفريخ جيل جديد من الإرهاب الإسلامي برعاية دول شنّت الكثير من الحروب تحت عنوان محاربة الإرهاب، بل دعمت أنظمة إرهابية تقتل شعوبها بذات الذريعة.

حتى إن التغاضي عن بشار الأسد كان تحت ذات الشعار، فسقوطه يعني سيطرة الإرهاب على سوريا، بحسب نظرياتهم، وهذا ما سمح له بسحق وقتل الشعب السوري وتشريده بأبشع صورة، لنتكشف مؤخراً أن مخابرات دولية بتنفيذ من مخابرات تركية وعربية وقطرية، تنتقي العناصر الأنشط من خلايا التنظيمات المصنفة إرهابية لتقوم بنقلها وتغيير هوياتها وإعادة زرعها في مناطق أخرى.

ولما كانت قطر وتركيا قد اعتمدتا كراعيين للنظام الطالباني في أفغانستان، والذي سلمه الاحتلال الأمريكي البلد، بعدتها وعتادها، بعد حرب مفترضة استمرت عقدين، نفهم أن هناك مراجعة كبرى قد قام بها البنتاغون الأمريكي في سياسته الدفاعية والهجومية، وأنه قد قرر إعادة الاستثمار في التطرف الإسلامي وتصديره للصين وروسيا، ودول تحت النفوذ الروسي الصيني، كأرخص وأسلم وسيلة ترهق فيها القوة العسكرية لهذه الدول العدوة، من دون التورّط في حرب مباشرة معها.

وبدلاً من أن يقوم الغرب بإنشاء تحالفاته مع العالم الإسلامي على أسس الحضارة الليبرالية والديموقراطية، بتعزيز الإصلاحات هناك ودعم حركات الشعوب لضم مليار ونصف مسلم لمحور الحضارة الغربية، تختار القيادات العسكرية المأزومة والمفلسة في أوروبا وأمريكا الطريق الأسهل وتعيد الاستثمار في تنظيم وتفعيل منظمات التطرف، لتعيد تشغيلها وتوريط الشعوب الإسلامية في صدام طويل وعسير مع دول عظمى تصنفها الولايات المتحدة كأعداء.

لم تلغِ أمريكا تصنيفها للجماعات الإسلامية كمنظمات إرهابية، ولم توقف دعمها لنظم الفساد والاستبداد التي ترعاها وتقمع شعوبها بسببها، لكنها تعمل جاهدة لتوجيه تلك القوة والقدرات لتحارب على جبهة أخرى وبالنيابة عنها، فما تريده الولايات المتحدة هو دفع شعوب المنطقة لمحاربة الصين وروسيا تحت أي شعار، ولا يهمها إن كان إرهابياً، طالما هي بعيدة وطالما أنّ أقليات مسلمة كبيرة العدد تشكل جزءاً هاماً من النسيج الاجتماعي للصين وروسيا.

وهكذا لم يعد الجولاني هو العدو الأول، بل هو الشريك الأهم للولايات المتحدة، ولم تعد منظمات التطرّف هي الهدف الذي تضربه قوى سلاح الجو، بل صارت عبارة عن بندقية ومفخخة للإيجار يجب استئجارها لمحاربة الأعداء دون تكلفة بشرية ومادية.

نحن إذاً على أبواب تحالف جديد بين الغرب والتطرّف الإسلامي، وهو ما يستطيع تنظيم الإخوان، الذي رعته طويلاً المخابرات البريطانية، أن ينسقه بفعالية لكي يؤمن تشكيل وتنظيم وإدارة جيل جديد من الإرهاب، مستغلاً الحال المأساوي الذي وصلت له الشعوب الإسلامية بسبب أنظمة ركبها وشغلها الغرب، نعم هي ذات اللعبة والحلقة المعيبة التي تعتبر سياسة ثابتة للغرب تجاه المستعمرات الإسلامية: أنظمة إرهابية مستبدة فاسدة تعيث قمعاً وفساداً وإجراماً، وشعوب مسحوقة تقود معارضتها تنظيمات متطرفة وإرهابية لا يجب أن تحكم، لكنها تبرر قمع الأنظمة لشعوبها، وتساهم في قتل الديموقراطية، ثم تستخدم إذا لزم الأمر في زعزعة استقرار دول تعتبر عدوة للغرب. هذه هي سياسة من يدّعي الحضارة واحترام حقوق الشعوب وحقوق الإنسان.

هذا لا يعني أن الهمجية الروسية والصينية هي البديل، لكن يعني فقط أن كلا رأسي العالم المتصارعين مضروبان بسرطان خبيث شيطاني، ليس علينا أن ندخل به ومعه، ولا نتدخل في صراعاته، بل يجب علينا شقّ طريقنا المستقل نحو الحرية والحضارة التي تؤسس على القيم النبيلة التي زرعها الإسلام، وليس مناهج الخوارج الذين خرجوا منه وعليه.

تحت شعار لا للإرهاب والتطرف، ولا للفساد والاستبداد، لا للتبعية والعبودية، نعم للحرية والديموقراطية، ومن يريد صداقتنا والتحالف معنا فعلى هذه المعايير فقط.



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.