السيرك السوري

د.كمال اللبواني

الدكتور كمال اللبواني

           الدكتور كمال اللبواني

تشبه سوريا منذ عدة سنوات باحة سيرك روماني يتصارع فيه المقاتلون، ويتفاعل معهم الباقون بحماسة، حتى القيصر نزل عن مقعده وشارك في اللعبة التي أصبحت ممتعة للجميع (على حساب المدنيين) … بلغت المتعة ذروتها عندما شوهد هذا القيصر بجنوده وعتاده يتبارز مع مقاتلين لم يشبعوا الطعام، فتلك كانت متعة مراقب خبيث كان يجلس بعيداً يراقب السيرك والمتفرجين معاً.

عدة أشهر قاتلت فصائل تطوعية بسلاح خفيف جيوش ثلاث دول واحدة منها هي قوة عظمى، والثانية هي في طريقها لتصبح سيدة الشرق الأوسط، والثالثة متمرسة ومختصة بذبح الشعوب وابادة المدن وتهجير السكان، ولم يكن من الممكن هزيمتهم لولا التردد التركي الذي سمح باغلاق طريق الامداد، ولولا تخاذل مجموعات مسلحة تابعة للهيئة في القتال (ربما خضوعاً لتفاهمات أو تعلميات)، فالقيادة في الهيئة ليست شفافة والقرار لا يتخذ بناء على مصالح الشعب.

لم يكن من الممكن هزيمة جيش العزة في ريف حماه الشمالي بقوة روسيا العظمى لولا تدخل السياسة والسياسيين والمصالح التي قيّدت تركيا وجعلت جيشها يبدو ضعيفاً أمام النظام السوري المجرم، الذي لا تخفي العداء له والذي استهدف قواتها فلم ترد عليه سوى بالانسحاب في مشهد ليس له علاقة أبدا بالتاريخ العثماني الأرطوغلي الذي تدعيه.

نقطة المراقبة التركية المحاصرة حالياً سوف تنسحب من موقعها من دون مشاكل بين تركيا والنظام، فما يحدث هو مجرد تحرش واحتكاك، لن يتطور أكثر بل سيكون مفيداً على ساحة الديبلوماسية، وقد سبق للنظام استهداف الجيش التركي واختبر ردات فعلها. وتمركز الدبابات حول طريق المعرة التي صارت مهددة بشكل مباشر ، هو أيضاً تمركز سياسي تفاوضي، كنقاط المراقبة. سرعان ما تأتيه الأوامر بعدم اطلاق النار أو بالانسحاب، ومن يتوهم أن تركيا ستدافع عما تبقى من ادلب فهو واهم.

لأن تقدم النظام الحالي في إدلب ليس خرقاً لاتفاق سوتشي التي وقعت عليه تركيا والمعارضة السورية، فهذا الاتفاق المشؤوم ينص على التزام تركيا تنفيذ إجراءات معينة في مناطق معينة وفقاً لتقسيم الطريق الرابع وسكة القطار، واستئصال المنظمات الإرهابية ( يقصدون الإسلامية)، وفي ذات البند يذكر أنه في حال لم تنفذ تركيا تعهداتها، ستقوم الدول بتنفيذ هذا البند بالقوة، وقد منحت روسيا تركيا سنة كاملة ولم تنفذ شيئاً مما اتفق عليه، سوى نشر نقاط المراقبة.. المشكلة أن كل الاتفاقات سرية ولا تعلن، وأن الشعب السوري لا يعلم إلا ما يرشح، أما الوفد المفاوض فيوقع ما يطلب منه دون أن يقرأ.

ولا يمكننا توقع أي خير يأتي من اجتماعات القمة بين الترك والإيران والروس، لأن روسيا وايران لا يخفيان عداءهما للشعب السوري وحقدهم عليه، وهكذا فسياسة أنقرة في موضوع إدلب متخبطة وهي تحاول ايجاد مخارج لكن من دون فائدة كما نشاهد، وسياسة حلفاء النظام التي تعتمد على القضم مستمرة وناجحة جداً مع الترك، منذ مؤامرة تسليم حلب وصولاً إلى ريف حماه. أي اتفاق سيحصله الترك لن ينفذ لأن النظام لن يحترمه بعد أن اختبر ضعف تركيا وترددها.

المعركة إذاً مفتوحة ومستمرة والفرصة مواتية للنظام وحلفاءه لأنه لا يوجد أي طرف دولي يريد التورط ووقف التقدم، لأنه سيتهم بالدفاع عن سلطة هيئة تحرير الشام ( المصنفة إرهابية )، أنا شخصياً لا أتوقع أي رد فعل دولي على عمليات ادلب أو بذل أي جهد دولي لوقفها إذا لم تفعل تركيا.. وهي لن تفعل كما هو واضح من أول حتى آخر صفحة من كتابها، حتى التحرك الإنساني فهو مشين ومخزي كما يبدو حتى الآن، يبقى القضاء السماوي الذي ربما يشغلهم بحروب أخرى بين إيران وإسرائيل التي تتعرض لعملية استفزاز سوف تجبرها حتماً على الخروج من جبنها. عندها نأمل ممن تبقى من المقاتلين الإسلاميين في ادلب عدم الانضمام لصفوف حزب الله والقتال معه كما فعل إخوانهم عام 2008.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.