الظاهر والباطن في السياسة الإيرانية




د.كمال اللبواني

الدكتور كمال اللبواني
الدكتور كمال اللبواني

عادة يمكن للنصّ أن يحمل معنى ودلالات أعمق من معناه الظاهري، وهو ما يسمى المعنى الباطن أو ما بين السطور، لكن ذلك المعنى لا يمكن أبداً أن يناقض المعنى الظاهري، والا فقد النصّ وحدته وهويته، ويمكن له أيضاً أن يحتوي المجاز لكن سعة الدلالة الممكنة محدودة بما استعملت به الكلمة في عموم النص، ولا يمكن السير أبعد من ذلك لأنّه يعني ابتداع نصّ جديد واختلاق وافتراء وتزييف.

إذا كان الله سبحانه يريد دلالات أخرى لا يعرفها إلا آيات الله، فلماذا توجّه لنا بكلماته وقرآنه العربي بهذا الظاهر؟، ولماذا لم ينزل إلينا ما يريده واضحاً صريحاً؟، وهو الذي أكد على ذلك بجعله قرآنا عربياً واضح البيان. إذن نحن أمام محاولة تزييف وتزوير واختلاق بحجة الباطن والمجاز، تذهب في النص المقدس لمكان يريده القارئ الذي يدّعي العصمة ليجعل من نفسه شريكاً في القداسة، أو ليسرق القدسية ويجعلها في خدمة نوازعه.

صفة التقية وإظهار عكس ما يبطن، هي صفة أصيلة في الثقافة الفارسية الزرادشتية، وقد انتقلت للمذهب الشيعي على الأقل الصفوي، ومن ثم للثورة الإسلامية الإيرانية.

في الظاهر أنّها إسلاميّة، تهتم بالأمة الإسلامية، والباطن أنّها طائفية بل قومية فارسية عنصرية، الظاهر أنّها تريد محاربة الغرب، والباطن أنّها تتعاون معه كما كانت عبر التاريخ، منذ ظهور الإسلام وتدميره لمملكتها، الظاهر أنّها تحارب الصهيونية، والباطن أنّها تتعاون معها في أكثر من ملف وقضية، الظاهر أنّها تريد تحرير القدس والباطن أنّها تريد احتلال بغداد ودمشق وبيروت… ومن ثم مكة، الظاهر أنّها تحضّر السلاح لمواجهة كبرى مع الاستكبار العالمي، لكنها تستعمله ضد شعوب المنطقة.

الغرب يستهدفها ويقتل منها ويقصفها وهي تتمسك بخيار السلام، وتمتنع عن أي ردة فعل، وتفاوضه في أكثر من مكان، حتى إنّ ماكرون قد حمل رسالة انبطاحية إيرانية تريد التوصّل لاتفاق مع الغرب، وهو ما جعله يطالب برفع العقوبات عن إيران وحزب الله، بشكل مناقض تماماً للحدث، وهو الانفجار الذي هشّم وجه بيروت.

هذه هي إيران، كذب ونفاق وخداع، فكيف سيتّفق معها الغرب، وعلى ماذا؟ إيران حالياً تسعى لامتصاص الاندفاع الإسرائيلي، المدعوم أمريكياً، بطرح مبادرات السلام التي استجاب لها ترامب بقبوله مبدأ لقاء رئيسها والتفاوض معه، لكن كعادتها ستماطل وتطيل أمد التفاوض بانتظار نتائج الانتخابات القادمة، حيث ستحدّد الثمن الذي عليها دفعه مقابل رفع العقوبات عنها، وتحدّد حجم الانسحابات المفروض عليها تنفيذها من لبنان وسورية، وهي تراهن على خداع جديد بانسحابات شكلية سرعان ما تستعاد في أول ظرف سياسي مناسب، خاصة في حال أبقت على أنظمة سياسية تدار من قبلها، كنظام عون ونظام الأسد بشخص جديد هو ماهر.

هذه هي إيران، الخداع والمراوغة والتناقض، وإيران المضمون الذي يجب أن يعاكس حتماً ما يقال ويظهر من شعارات وخطابات، وهنا نتساءل، ترى كم مرة سيشعر الفلسطينيون بالخيانة والغدر، وكم مرة ستباع قضيتهم؟ سؤال برسم حماس وتنظيم الإخوان العالمي، الذي يعتبر إيران نموذجه التطبيقي، عندما سينتهي زواج المتعة مع فلسطين، وتتزوج إيران بإسرائيل، حتى من دون قضاء أشهر العدّة. 



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.