القصة الكاملة لتشكيل قيادة المعارضة السورية [1] ما قبل الثورة

د.كمال اللبواني

الدكتور كمال اللبواني
الدكتور كمال اللبواني

سيطرت على الحياة السياسية في سوريا في فترة ما قبل البعث البرجوازية الوطنية المتحالفة مع الإقطاع، وانقسمت البرجوازية لبرجوازية عقارية وبرجوازية تجارية وكمبرادورية (مرتبطة بشركات أجنبية) مع بدء تكوّن برجوازية صناعية حرفية أساساً، وانقسم ذلك التحالف لكتلتين أساسيتين هما حزب الشعب والكتلة الوطنية (مثلت الانقسام الجغرافي بين حلب – دمشق، وبين الإقطاع والملاك العقاريين، والبرجوازيات الأخرى).

ومع تبنيها للنظام البرلماني وإطلاقها للحريات السياسية، تشكلت أحزاب سياسية أيديولوجية ثلاثة، هم الحزب الشيوعي بقيادة خالد بكداش، وحزب الإخوان المسلمين بقيادة مصطفى السباعي، كحل وسط بين جماعة الإخوان في حلب بقيادة خير الله وجماعتها في دمشق بقيادة علي الطنطاوي، وحزب البعث بقيادة ميشيل عفلق، الذي تحالف مع الحزب الاشتراكي بقيادة أكرم الحوراني، ومع تسلم حزب البعث للسلطة ألغى الحياة البرلمانية، وبالتالي ألغى التمثيل السياسي الطبيعي للاقتصاد في البرلمان، وأمم وصادر ملكيات التحالف الإقطاعي البرجوازي لصالح العمال والفلاحين كما كان يدّعي ذلك الحزب، وبقي الحزب الشيوعي لكنه فاقداً لقاعدته الطبقية المفترضة (العمال)، وتحالف حزب الإخوان مع الرجعية المعزولة وصار ممثلها الأيديولوجي والسياسي، وبقي التيار الناصري الذي يحاول تجميع نفسه كتيار قومي عربي واسع ضمن ذات الطبقة من الفلاحين الذين مثلتهم عملياً البرجوازية الصغيرة في الريف الطامحة للسلطة، أقصد المتعلمين المنفصلين عن الإنتاج، الذين وظيفتهم هي العمل في مؤسسات الدولة والسلطة المتضخمة بشدة بسبب سياسات التحديث (الدفاع والأمن) ثم القطاع العام الخدمي والإنتاجي، حاول حافظ الأسد تبعيث الدولة كاملة، وإجبار كل العاملين بها على الانتساب للحزب، وبذلك كان يلغي أي قاعدة اجتماعية للحزب الشيوعي والتيار الناصري، ويحرمها من الحصول على أتباع في مؤسسات الدولة، أما التيار الإخواني الذي تشكل من المتعلمين أبناء برجوازيات المدن فقد حافظ على بعض قوته، بسبب دعم بقايا البرجوازية التجارية، وهذا ما حرك تنظيم الإخوان في نهاية السبعينيات، مستغلاً التمييز الطائفي للتمرّد على النظام.

واندلعت بالتوازي احتجاجات النقابات عام 1979 على تغييب الحياة الديمقراطية وسياسات التغوّل للسلطات الأمنية، كآخر حراك للمجتمع المدني، مع أنّ الوضع الاقتصادي كان في حالة نمو وازدهار شكلي على الأقل. فقام حافظ الأسد بقمع كل التنظيمات السياسية وقيد البقية ضمن إطار الجبهة الوطنية التقدمية التي يقودها البعث وفقاً للمادة الثامنة من الدستور، وبذلك أنهى تماماً الحياة السياسية والمدنية، ودمر استقلال مؤسسات المجتمع المدني، وحول الحزب لدولة والدولة لحزب، يتبع له شخصياً، وصنع مزرعته الخاصة بهيمنته أيضاً على الاقتصاد الذي صار هو مالكه الوحيد أيام ابنه بشار.

في ربيع دمشق الذي تلا تسلّم الولد مكان أبيه لقيادة المزرعة الأسدية البعثية العلوية، التي حولت الشعب لعبيد، وجعلت السجن والقتل مكاناً إلزامياً لكل معترض، لم يكن هناك أحزاب سياسية ولا تنظيمات نقابية ومدنية مستقلة عن السلطة، كل ما وجد هو بقايا مهشمة من نشطاء سياسيين سابقين نجوا من السجون، حاول هؤلاء الناشطون تشكيل المنتديات، ولجان إحياء المجتمع المدني، لتنشيط الحياة السياسية، بدءاً بحرية التعبير، لكن سرعان ما انقلب عليهم بشار واعتقل رموزهم واحتوى البقية ضمن أطر يمكنه السيطرة عليها، وترك هامشاً صغيراً لمعارضين متعاونين مع الأمن للإيحاء بوجود معارضة أمام الغرب الذي اشترط ذلك عليه للاعتراف بسلطته.

وهكذا بقي قدر محدود جداً من النشاط المعارض في سوريا كان برعاية وضبط الأمن، محروساً بالاعتقال لكل من يخرج على الخطوط الحمر، وأنا منهم، حيث قضيت تسع سنوات في سجون بشار منذ تسلمه عام 2000 حتى عام الثورة 2011.

حاولنا عام 2005 بعد اغتيال الحريري وارتباك النظام إعادة تنظيم صفوف المعارضة وتفعيلها، وشكلنا هيئة تنسيق العمل السياسي المعارض، وبناء عليه تم تنظيم عدة مظاهرات في دمشق بأعداد قليلة، ومن ثم تم التوافق على صيغة إعلان دمشق للتغيير الديموقراطي متجاوزين مطالب الإصلاح التي خدعنا بها بشار لمطالب التغيير، الذي يعني ضمناً إمكانية المطالبة بإسقاط النظام في حال تمنعه عن القبول بإصلاحات أساسية.

قمت بتسويق إعلان دمشق بالخارج وجلبت دعم الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وعدت للسجن، وتشكل مجلس لإعلان دمشق في الخارج، لتسلم الدعم، وعمل الإخوان على تسمية أنس العبدة رئيساً له، وكان معه أحمد رمضان والخاني، وحرم ناشطون يساريون من تسلمه، وعندما تقرر تنفيذ خطّة تغيير الأسد واستبداله برئيس إصلاحي من ضمن النظام، كُلّف آصف شوكت برعاية تشكيل جسد لإعلان دمشق في الداخل، وهكذا تشكل الجسد واختيرت ابنة أكرم الحوراني رئيسة له للإيحاء بأنه استمرار للنظام وليس انقلاباً عليه، ولحشد تأييد قطاع واسع من موظفي الدولة، لكن أمن الدولة بأوامر إيرانية اعترض وقام باعتقال الناشطين الذين جاء كيري للمطالبة بتحريرهم ووعده الأسد لكنه غير رأيه مساء بتأثير الإيراني.

ورداً على اعتقال نشطاء الداخل، وبدعم غربي، تشكلت جبهة الإنقاذ من الإخوان والمنشقين البعثيين، ولم يشارك فيها إعلان دمشق خوفاً من بطش النظام، ثم فرطها الإخوان بعد حرب غزة لفتح باب التفاوض مع النظام.. وهكذا حرمت أيضاً المعارضة من تشكيل قيادة.



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.