بمناسبة اليوم العالمي للشعوب الأصلية.. سيناء آخر الهلال الخصيب وبلاد الشام



د.كمال اللبواني

الدكتور كمال اللبواني
الدكتور كمال اللبواني

تنتمي سيناء ثقافياً لمحيطها العربي، فهي قبائل عربية لها علاقات قرابة مع بدو النقب وشرق الأردن وشمال السعودية، وهي لا تنتمي تاريخياً لأفريقيا ولا لدولة مصر، بل احتفظت بخصوصية عبر التاريخ نتيجة تكيفها مع جغرافيتها ومع المناخ والموقع الاستراتيجي، كمعبر بين آسيا وأفريقيا، فهي صحراء وشبه جزيرة محاطة بالبحار، ذات طبيعة جبلية قاسية، فيها عدة ممرات تشبه المتاهات لا يستطيع عبورها إلا من تساعده قبائل تلك الأرض، لندرة المياه وقساوة الطبيعة وطول ووعورة الطريق، وهي صحراء التيه الذي تاه بها موسى وقومه ٤٠ عاماً عندما فروا من مصر كما تذكر التوراة. اليوم العالمي

عبر التاريخ تتعامل الدولة المصرية مع سيناء كإقليم تحتلّه، ويشعر سكانها تحت الحكم المركزي المصري بشعور الشعب المحتل، وهي من دون الاعتراف الدستوري بخصوصيتها ومن دون تمتعها بدرجة من الحكم الذاتي، لا يمكنها البقاء داخل الدولة، التي أصبحت مع الزمن ومع تنامي طابعها الاستبدادي على عداء مع القبائل وذات طموح لتدميرها كبؤر تمرد واعتراض وملاذ للمعارضين، وهكذا اجتمعت العوامل كلها لشن الحرب عليها من قبل الجيش المصري، خاصة عندما ظهرت فجأة بعض خلايا داعش بطريقة تثير الريبة، تشبه ما كان قد حصل في سوريا، وليبيا، وبسبب الضخ الإعلامي التهويلي المتعمد أدركت القبائل خطورة ذلك، وعرضت على السلطات التعاون معها للقضاء على هذا الخطر، فما كان من السلطات إلا أن شنّت حرباً طاحنة ضد شعب سيناء كاملاً ومن دون تمييز، تحت ذريعة محاربة الإرهاب، لتنفذ سياستها المبيتة الرامية لتدمير النسيج الاجتماعي التقليدي وتهجير السكان وإجبارهم على العيش في المخيمات، وتحت رحمة أجهزة الأمن وعصابات السلطة.

ولكي تحظى تلك العملية بالشرعية اللازمة وتسمح إسرائيل بدخول القوات لسيناء المنزوعة السلاح، كان لابد من التحجج بوجود الأنفاق مع غزة والتي تمر منها الأسلحة، وهي عملياً تحت سلطة وإشراف الأمن المصري بالكامل، مصدر رزق كبير له، لكونها تقع في منطقة حدودية صغيرة مسيطر عليها بالكامل، وهكذا شنّ الجيش المصري حربه على كل سيناء بحجة القضاء على حفنة من المتشددين لا تتجاوز المئات باعترافه هو، وذلك منذ عام ٢٠١٦ وحتى الآن، من دون جدوى، بل بالعكس، فسلطة العصابات قد توسعت وامتدت بالتناغم مع تدمير المجتمع وتهجير السكان الذين تحولوا لضحايا كلا الطرفين، تُرتكب بحقهم كل انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب والتطهير، فالتعاون وتبادل الشرعية قائم على قدم وساق بين منظمات التطرّف والإرهاب وعصابات النظام تحت علم الجيش، التي تريد أن تحقق غرضها في فرض الإذعان، ثم تستفيد من الفوضى وتعفيش أملاك البدو ثم تستخدم أرضهم للنشاطات الإجرامية، خاصة المخدرات.

سيناء جزء من بلاد الشام تتعرض منذ عام ٢٠١٦ لحالة من الحرب تشبه شكلاً ومضموناً ما تتعرض له سوريا، ويتعرّض شعبها لما يتعرض له الشعب السوري، من حرب واضطهاد وتهجير، فتحت ذريعة الحرب على الإرهاب يتم تدمير الحاضرات والقرى ويهجر السكان حيث بلغ عدد المهجرين ما يفوق ثلث السكان، وتنتشر العصابات التي ترعاها الحكومة، لتحل محل النسيج الاجتماعي التقليدي، ولتقوم بكل الأنشطة الممنوعة بعيداً عن الدولة المركزية، وبشكل خاص تجارة وتهريب المخدرات والسلاح.. وهذا ما يتطلب من المجتمع الدولي التحقق من سياسات الدولة المصرية، ومن سلوكها، ووضع سياسة عامة في المنطقة تحل مشكلتها وتستعيد الاستقرار والسلام بالتعاون مع الشعوب، وباحترام مجموعة مبادئ متلازمة معاً هي (الديموقراطية، احترام حقوق الإنسان، محاربة التطرف، التطوير الاقتصادي، الإصلاح الديني)، فأي برنامج تعاون يجب أن يكون مشروطاً بتنفيذ تلك المبادئ إن كان ضمن اتفاقيات الشراكة الأورو متوسطية، أو ضمن الحلف المضاد للإرهاب، أو ضمن اتفاقيات السلام التي تهتم بحل مشاكل الشرق الأوسط.



اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.