تحولات الموقف الإسرائيلي من نظام الأسد

د.كمال اللبواني

الدكتور كمال اللبواني

            الدكتور كمال اللبواني

منذ تولي بشار للسلطة حاولت إسرائيل التوصل لاتفاق سلام معه، في عهد شارون ثم في عهد أولمرت، لكنه كان يعمل بنصيحة والده (الجيش ليس لحرب إسرائيل بل للدفاع عن النظام، لا حرب مع اسرائيل ولا سلام ، فاوض ولا توقع)، وهكذا لم يكن هذا الموقف مزعجاً لإسرائيل في عهد ناتانياهو أيضا، طالما أن الوضع هادئ جداً على الحدود والجيش السوري منشغلاً في قتال شعبه، ولا مانع من تبادل بعض الرسائل الساخنة، ( قصف اسرائيلي مباشر لبعض الأهداف على الأراضي السورية ، وتمسك سوري بحق الرد لكن ليس على الحدود).

نعم في بداية الربيع العربي بدت إسرائيل متخوفة كبقية دول العالم من هذا الزلزال السياسي غير المسبوق في المنطقة، لكن بعد انتصار ثورة تونس ومصر وتوضح معالم هذا الربيع وقدراته، لم يكن العالم الغربي بما فيه إسرائيل منزعجاً من انتقال الربيع لسورية (كونها دولة مارقة بالغت في ارتباطها بإيران ومحور الممانعة ودعم التطرف والإرهاب)، بل رحبوا به على العموم، وهذا ما جعل النظام يصف ثورة الشعب السوري بمؤامرة دولية، والثوار بعملاء إسرائيل، وبالتالي برّر لنفسه استدعاء الحرس الثوري الإيراني وحزب الله لقتال شعبه دفاعاً عن محور المقاومة، وزاد من إمعانه في الاعتماد على حلفه مع إيران، مما ساهم من جهة أخرى في تنامي وجهة نظر في إسرائيل ترغب في دعم الثورة السورية.

لكن المعارضة السورية المعترف بها لم تكن قادرة على تلقف الفرصة، لأنها لم تكن قادرة على تلقف أي فرصة على الإطلاق (فهي مشغولة فقط بمصالح أفرادها الخاصة)، ومع رفع الشعارات الإسلامية وهيمنة منظمات التطرف الديني على الثورة وسيطرتها على المناطق، أصبح الموقف الإسرائيلي والموقف الدولي تماماً كما لخصه السفير فورد : (التطرف يقاتل التطرف)، أي لا يوجد بين المتقاتلين فوق أرض سورية من هو صديق، لندع الطرفين العدوين يستنزف بعضهم البعض، ونحن سنقف متفرجين (موقف ناتانياهو الثابت: نحن لا نتدخل في الحرب الأهلية في سوريا)، لكن ذلك لم يمنع التيار الآخر في إسرائيل من تنظيم عمليات دعم إنساني عبر الحدود، مترافقاً مع زيادة مضطردة بعدد وحجم الغارات الجوية الإسرائيلية على النظام وحليفه الإيراني، والتي بدورها لم تكن كافية لاقناع الشعب السوري بأن إسرائيل لا تدعم نظام الأسد .

أخلّ التدخل الروسي في عام 2015 بالتوازن في هذا الصراع، وساهم بحسمه لصالح الميليشيات الإيرانية على الأرض بمشاركة فعالة من سلاح الجو الروسي وبهمجية مفرطة، وبحلول عام 2018 كان الجيش السوري قد تحطم، وكذلك معظم قوة المعارضة التي هي أصلاً لا تملك سوى السلاح الخفيف، بينما توزع الشعب السوري بين قتيل ومعاق ومشرد وأسير، وخرجت الدولة السورية تماماً من معادلة الصراع مع اسرائيل ولفترة زمنية طويلة جداً، كما خرجت أيضاً من معادلة السلام، لذلك بدأت إسرائيل بمطالبة المجتمع الدولي الاعتراف بضمها لمرتفعات الجولان المحتلة منذ عام 67.

لم تعد سورية اليوم تشكل أي خطر أمني على اسرائيل ( دولةً وشعباً وجيشاً ومعارضةً ) إلا في حالة واحدة هي استمرار الإحتلال الإيراني واستخدامها لتوسيع قاعدته الاستراتيجية العسكرية، وتشكيله فيها لمنظمات مشابهة لحزب الله وحماس تنشط على الحدود في مرتفعات الجولان، أي أن تصبح سورية منصة إيرانية جديدة لتهديد وابتزاز إسرائيل والغرب، والعرب خاصة الأردن بالتحالف مع منظمات فلسطينية. فإيران بهذا الحجم والتوسع والقدرات تشكل الخطر الوحيد المتبقي على إسرائيل بعد فشل معظم الدول العربية المحيطة بإسرائيل؛ واستراتيجية بن غوريون قد أصبحت خاطئة تماماً مع تغير الظروف (إضعاف العرب وتقوية أعداءهم).

لم تُجر إسرائيل مراجعة لاستراتيجيتها عند زيارة السادات وتوقيع السلام مع مصر والأردن ومنظمة التحرير، ولم تُجر حتى الآن هذه المراجعة رغم تمدد إيران وهيمنة محورها على المشرق العربي (ربما لانشغالها بنزاعات سياسية داخلية ذات طابع شخصي) لكنها بدأت تدرك أنها تخسر وبسرعة، وأن حلفاً إسلامياً واسعاً يتشكل حولها يشمل السنة والشيعة معا (إيران وتركيا والعرب) على نموذج حزب الله وحماس، وأن تنظيم الإخوان والحركات الإسلامية تستعمل كوسيلة إيرانية في تقويض الأنظمة العربية (المعتدلة) كما تسميها، وهي في الواقع (الهشة والضعيفة) الفاقدة لأي سند شعبي، وغير القادرة على خوض أي صراع مع اإران ولا غيرها.

كما أن انكفاء أمريكا وأوروبا عن المنطقة وجعل إسرائيل تشعر أنها وحيدة وعاجزة، وأن حلفاءها من الأنظمة العربية غير قادرين على فعل شيء، وإن عليها إيجاد تفاهمات مع روسيا لإخراج إيران من سورية، فقدمت للروس الكثير من التنازلات، وأرسلت العديد من رسائل حسن النية للنظام السوري على حساب المعارضة، (حيث تغاضت بشكل لافت عن عملية تسليم الجنوب وريف دمشق للنظام وروسيا) أملاً في تخليهم عن الإيراني طيلة عامي 2017 و 2018، لكن النظام اختار العكس رغم رسائله الودية عبر الروس والتي كانت فقط لكسب الوقت، فهو يعلم أن إيران هي ضمانته الوحيدة في البقاء، وهكذا ربط الأسد مصيره ببقاء إيران محتلة لبلاده ، وهذا ما يجعل من رحيله ضرورة أمنية إسرائيلية، لفتح الطريق نحو إنشاء سلطة انتقالية بالتعاون مع الروس تقبل العمل على إخراج إيران، والانفتاح على الحل السياسي مع المعارضة، لاستخدام قدراتها في تطهير سورية من التغلغل الإيراني عسكرياً واقتصادياً وثقافياً.

هذا ما كان مأمولاً من اجتماع القدس الثلاثي بين الروس والأمريكان والإسرائيليين، لكن الروس لم يظهروا أنهم جادون في التعاون لإخراج إيران أو ترحيل الأسد، فلم يتم التفاهم إلا على بند واحد هو تجنب التصادم، وتركت باقي البنود معلّقة، مما ترك الباب مفتوحاً أمام إسرائيل لتوجيه المزيد من الرسائل الساخنة التي تطال ليس إيران فقط بل النظام المتحالف معها، ومع استمرار وتشديد الحصار الاقتصادي الأمريكي عليهما وعلى لبنان، فالأشهر القادمة ستنكشف مدى فعالية هذا الحصار ، ومدى قدرة إسرائيل على الفعل والتخطيط وتحقيق النتائج على الأرض السورية، بحيث تدفع الروس للتعاون والقبول بحل يضمن لهم مصالحهم في سورية، عبر التخلي عن إيران وبشار المنصهر معها، والذين سيظهرون قدرتهم على المناورة والنفس الطويل لتحمل العقوبات والمراهنة على تغير الأنظمة، وتفجير المفاجآت هنا وهناك فيما تبقى من دول مستقرة نسبياً في المشرق العربي وعلى حدود إسرائيل.

المشكلة أن إسرائيل وأمريكا تجاهلوا سابقاً عملية بناء حليف لهم فعال على الأرض من الشعب السوري الثائر، بل تجاهلوا وساهموا في استنزاف واضعاف هذا الشعب السوري بسبب سياسة الاستنزاف التي استعملت في سورية، فالذي استنزف فعلاً في النتيجة ليس قوى التطرف بل الشعب المعتدل (الحليف الوحيد المفترض على الأرض)، بينما قوى التطرف أصبحت أقوى ومتعاونة فيما بينها، ولا تهتم بالخلاف المذهبي الذي راهنوا عليه (القاعدة وداعش وتنظيم الإخوان) وأصبحوا عناصر فعّالة في طريق الانضمام لمحور المقاومة الذي تتزعمه طهران، والذي تقترب دول إسلامية سنية من الانضمام اليه أيضاً.

هكذا جرى تحول الموقف الإسرائيلي من النظام السوري، ليس بسبب تغيّر إسرائيل ، بل تغيير النظام لموقعه وسلوكه متفاعلاً مع ثورة الشعب عليه، وهكذا أصبحت لأول مرة مصالح إسرائيل في سورية مسايرة لمصالح الشعب السوري في ايجاد سلطة انتقالية وإخراج إيران واستعادة الحياة السياسية وعودة المهجرين، لكن المتعصبين الدوغمائيين في كلا الطرفين قد يحتاجون لزمن طويل من أجل الخروج من صناديقهم المغلقة و الاعتراف بذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.