يثب

جنيف 2 … سوريا 4

د.كمال اللبواني
Kamalاليوم أعلن الابراهيمي عن صعوبات أمام انعقاد مؤتمر جنيف في موعده المعلن عنه منتصف الشهر القادم، ويبدو أن الابراهيمي ومن معه سينتظرون كثيرا قبل تحقق أملهم، ناهيك عن نجاحه … لأنه من غير المتوقع نجاح مؤتمر جنيف2 في إيجاد سلطة انتقالية، يرضى عنها الطرفان، فهذا أقرب للمحال، والكل يعلم أنها طبخة حصى، ولن تسفر عن شيء، وهذا ما عبر لنا عنه معظم وزراء الخارجية الذين رجحوا احتمال فشل جنيف بنسبة 90 %، فالمسألة على ما يبدو بالنسبة لهم هي انعقاد جنيف2، وليس نجاحها في أن تخرج بالبلاد من حالة الحرب، التي يعتقد أنها ستطول لسنوات وسنوات وفق السيناريو الذي فضحه وزير الدفاع الأمريكي .. في تصريحات سابقة.
هؤلاء (الأصدقاء) هم أيضا من يؤكدون لنا اليوم أن المطلوب من الائتلاف الصمود فقط لحين انعقادها، وبعد ذلك لا قيمة لبقائه أو زواله، فقد صمموه على ما يبدو فقط للوصول بالمعارضة إلى جنيف، ولا عمل له سوى ذلك، بدليل إنجازاته التي حققها طيلة عام من تأسيسه .. والتي تساوي الصفر.
وهم لا يملكون أصلا أي جواب على سؤال من هم هذان الطرفان؟ (النظام؟، عائلة الأسد أم الطائفة العلوية؟ وحلفاؤها الداخليون، أم حزب الله؟، أم عراق المالكي والصدر، أم المرشد الخامنئي، أم قيصر روسيا؟)، فعلا نحن لا نعلم من نفاوض، كذا حال الطرف الآخر يسأل من سنفاوض (القاعدة، النصرة، داعش، الجهادية السلفية، الوهابية؟، الجيش الحر، الثوار المدنيون، الإخوان بألوانهم المتغيرة؟، المعارضة الخارجية المتطفلة، أم وكلاء كل من: السعودية، قطر، تركيا، فرنسا، أمريكا، ولكل منها يد وذراع ودور؟، أم المعارضة الداخلية التي هي تحت رحمة النظام؟ والذي يقبل فقط بالتفاوض مع المعارضة التي صنعها هو وسماها معارضة وطنية !! من قبيل هيئة التنسيق ومن لف لفها و من انشق عنها) أي بعد سنتين ونصف من الصراع المرير دخلت الحرب في مرحلة من الفوضى الكاملة المقصودة على ما يبدو، تمهيدا لشيء آخر يخطط له بوابته هي عقد مؤتمر دولي حول سوريا.
ومن خلال استقرائنا للتحضيرات وخاصة ما يجرى على الأرض، ومن تحركات ومن مطالب مشبوهة ملحة وعاجلة (كالورقة الكردية التي أقرت على عجل وفي ليل) لذلك نحن نرجح عند انعقاد جنيف2 أن تصبح سوريا 4 كيانات سياسية وعسكرية، (علوية وكردية مدعومتين من العراق وايران وروسيا، وسنية متطرفة شمال وشرق تستمر في الصراع مع المكونات الأخرى، وسنية معتدلة جنوب مدعومة من السعودية والأردن ليست على وفاق مع أحد)، أي ستصبح سوريا عمليا، وبإقرار المعارضة والسلطة معا، تحت الوصاية الدولية، وبتصرف الدول الراعية للمؤتمر، غاب من غاب وحضر من حضر بعد ذلك، فبمجرد دخول غرفة العمليات والتوقيع على التفويض المعهود للطبيب الجراح، يبدأ التخدير ويغيب الوعي وتأتي الأدوات، ويجري الدكتور الدولي ما يطيب له بمريضه الغائب، الذي سلم جسده طائعا لمن لا يعرف الله ولا يرحم عباده، من دول لا تبحث إلا عن مصالحها ولا تكره سوى العروبة والاسلام.
بمجرد انعقاد جنيف2 ستتحول الثورة التي بدأت لإسقاط النظام السياسي المستبد، لصراع بين طرفين، وأزمة ودماء يجب أن تتوقف، وفوضى يجب أن تنتهي، ولا تعود أزمة سلطة ونظام بل تصبح أزمة دولة، وتصبح مهمة المجتمع الدولي ليس حماية المدنيين ومعاقبة المجرمين، وتمكين الشعوب من حقوقها، بل مهمته وقف استمرار حالة الحرب والبحث عن سلام، أي سلام ممكن فرضه بين طرفين متصارعين، ليس فيهما ظالم ومظلوم، وهذا قد يعني وقد يتطلب تغيير شكل الدولة بطريقة تتناسب مع الواقع ومع هذا الانقسام العسكري، بعد ذلك سيقتصر سعي المجتمع الدولي على تحويل جبهاته الحارة لحدود هادئة، ومراقبة دوليا، بعد أن أقنع كلا الطرفين باستحالة تحقيق النصر … فالجهود الخيرة التي سيجريها الجراح هي تقسيم المنزل بين الأخوة الأعداء، وهذا من وجهة نظرهم هذا أفضل من استمرار القتال والدمار …. ؟ ومن يجادلهم في هذا المقصد الخير !
بهذا المنطق السلامي سوف تسقط الثورة، ويتساوى المجرم والضحية، وتصنف الثورة على نظام مجرم كحرب أهلية، وتزول وحدة المجتمع و يتغير شكل الدولة وهويتها (وهو ما بدأه الائتلاف بيديه دون وعي ولا دراية)، وتتغير هوية سوريا وهوية المنطقة، وتتحول من دولة في منطقة عربية إسلامية سنية الطابع، إلى هلام مكونات لا لون له ولا طعم ولا رائحة .. وهكذا وعبر بوابة جنيف سوف تتشظى سوريا وتصبح عددا من المكونات يرجح أن تكون أربعة، وتتغير خريطة المنطقة نهائيا. بالتوازي مع ما سيلحقها في الجوار أيضا.
باستعراضنا لمختلف وجهات النظر في أوساط المعارضة حول جنيف تبين لنا وجود عدة مجموعات رأي متباينة:
– مجموعة أولى ترى جنيف من موقف أيديولوجي، الثورة بدأت بشعار إسقاط نظام الفساد والاستبداد والإجرام، ويجب أن تستمر، والحل السياسي يبدأ بعد تحقيق أهداف الثورة، ويرى هذا القسم أن العهد الذي قطعه الثوار يوم انطلقت الثورة ملزم لهم حتى تحقيق أهدافها، وأن العدالة شيء لا يمكن التحرك من دونه نحو السلام.
– مجموعة ثانية ترى جديا أن الظروف لم تنضج بعد لنجاح هدف جنيف، وبالتالي يجب العمل على تحسين الظروف قبل الذهاب، وهذا يتطلب طلب الضمانات ووضع الشروط، ومنهم من يشكك بجدية أي ضمانات عربية ودولية بعد سنتين من الفشل، لأن ضمانة العاجز لا قيمة لها، ويصر على تحقيق نجاحات على الأرض، وتأمين ظروف موضوعية تضع النظام في حالة يأس من الاستمرار، قبل إعلان القبول.
– ومثلها مجموعة ثالثة تعلن القبول ثم تتمسك بهذا الموقف لتجنب الضغط الشعبي الناتج عن قبولها المشاركة، وهي حال الائتلاف الذي يرسل الرسائل السرية التي تؤكد حضوره من دون أي شروط وحينما يدعى، ثم يقوم بطلب الضمانات الوهمية إعلاميا، والتي هي بالنسبة له مجرد غطاء إعلامي يخفف عنه ضغط الشارع، وليست شرطا حقيقيا، محددا وجديا يلتزم به، فهو لم يصرح ما هي هذه الضمانات ومتى يجب أن تقدم، ومن هي الجهة القادرة على تنفيذها، وماذا سيحدث إذا لم تقدم، أو لم تنفذ .. وماذا سيفعل بعد أن يذهب وينقضي الأمر، وما هي خياراته البديلة، عمليا ما يقوله الائتلاف مجرد دخان يموه نيته في الاستسلام للإرادة الدولية، فهو قد وضع كل بيضه في السلة الغربية، ويسير كما يؤمر من دون إرادة، وليس له سوى حق الاستجداء، أعطوه أو منعوه.
– مجموعة رابعة صريحة تريد إعلان موقف يقبل بالذهاب من دون شروط، على أن تقوم بنفس الوقت بالتحضير الجيد له، وتحصيل ما يمكن تحصيله من خلال موقف وأداء قوي وموحد في جنيف. على فرض أن هذا ممكن، وهي تعكس حالة عدم إيمان بقدرة الثورة على النصر.
– مجموعة خامسة ترى ضرورة الذهاب تحت أي ظرف، وقبول ما يقدم لنا على الطاولة، لأنه الممكن الوحيد. وفيما عدا ذلك ستخسر الثورة، وتنهار الدولة، ويدمر ما تبقى من وطن. وهي تعكس حتمية انتصار النظام مع الوقت. وهي الطابور الخامس.
– هناك مجموعة سادسة تعيش وهم النصر، ومتفائلة بأن الأسد قد انتهى على أي حال، واستمرار الحرب لا معنى له، وأي سلطة جديدة ستكون مجبرة على الاستجابة للمطالب الديمقراطية، طبعا هذا القسم يقفز فوق العدالة، مستعيضا عنها بالمستقبل الزاهر!، وكأن شيئا لم يحدث، فهو على ما يبدو لم يخسر شيئا، ولم يعانِ، ويعيش في الحلم وليس في واقع يصعب تصديقه، ربما لشدة مأساويته.
– يبقى هناك القسم السابع والأهم، وهو القسم المتخوف من الثورة علنا والأغلب سرا، والذي لم يشارك فيها عمليا، والتي بنظره قد انحرفت، لذلك يجب الإسراع في وقفها، والسعي لتشكيل حلف مع النظام، و مع المجتمع الدولي لمواجهة التطرف الذي نشأ بفعل الثورة، ومثاله داعش والنصرة والسلفية و و …، وهذا هو موقف الأقليات عموما، وفلول النظام و أيتامه، وعدد من المعارضة الداخلية، والديمقراطيين الذين كانوا شيوعيين!!!، و صاروا يشكلون بكل أسف أغلبية بين أعضاء الائتلاف بعد التوسعة التي فرضت بإرادة غربية وقحة، وبعد ضم ممثلي الكرد للائتلاف بنفس الآلية، وبحسب مفهومهم الذي لا يصرحون به: النظام أصبح قوة اعتدال في المنطقة لا يجب إسقاطها (لكن ربما يكون رحيل الأسد ضرورة لإرضاء الشارع) ولتمرير عمليه إعادة بناء وتجديد النظام الذي لا يجب تدميره ولا تفكيكه في هذه المرحلة، فخيار القوة يجب أن يتوقف، وإلا سوف تسيطر القوى المتطرفة، بل يجب إنقاذ النظام وترميمه وتطعيمه بوحدات من المعارضة (الجيش الوطني)، للوقوف جميعا في وجه (القاعدة والتطرف وحماية الأقليات والمجتمع المدني)، وهذه المجموعة هي من ستحضر جنيف بروحها وعقلها وهي الحامل لمشروع جنيف بروحه وغاياته، وهي من تتلقى الدعم الغربي والروسي والإيراني، كما أنها معروفة برموزها وشخوصها. وهي الآن (بمساعدة المال السياسي) الذي يدفع لشراء الأصوات الرخيصة، تشكل أغلبية في الائتلاف المفترض فيه تمثيل قوى الثورة، لكن قوى غير ثورية أصبحت تستطيع جره من داخله نحو مشروع استسلامها، ولا يمكن وقفها عمليا من دون إسقاط هذا الائتلاف (المتعفن) بكل أسف وحسرة.
تسوّق هذه المجموعة نفسها في الخارج وأمام أسيادها في الدوائر الغربية، وأمام الطابور الخامس في الداخل بعدد من الأفكار:
1- هدف إسقاط النظام لم يكن صحيحا، بل الصحيح هو بناء الديمقراطية، والتي قد لا تعني إسقاط النظام ؟؟؟؟؟ ضمنا بمشاركته وعبره فهو بنظرها نظام قابل للإصلاح والتطوير والتحديث حتى بعد كل ما فعل.
2- السلاح لم يكن الوسيلة المطلوبة، بل كان الأفضل يجب مواجهة النظام سلميا ومحاربة النظام بالورود!!!، و اللا عنف، لأننا بالعنف ذهبنا إلى حيث يريد النظام وهو الأقوى، ولا مانع لدى هذه المجموعة من تقديم مبادرات حسن نية للنظام (على طريقة أنظر في عيون أطفالك يا دكتور؟؟؟).
3- الثورة انحرفت وذهبت نحو التطرف الإسلامي، وهو أخطر وأسوأ من استبداد البعث. أي أن استمرار الاستبداد حتمي (على الطريقة المصرية).
4- الثوار ليسوا أقل سوءا من النظام بل أسوأ منه، وهم من (سقط المجتمع وجهلته). والمعارضة الخارجية التنظيرية المتطفلة تعلن رسوب تلميذها (الشعب) في مدرسة الأخلاق، وتنسى سقوطها المريع هي نفسها !.
5- الاستمرار بالقتال لا يعني سوى استمرار الدمار من دون جدوى، فالنظام قوي ولن يسقط، وهذا نقل لكلام الشبيحة ذاته الذين يتحدون الرب بذلك.
6- الحرب الدائرة حرب دولية وبالوكالة ولا علاقة لنا بها، لذلك وجب إيقافها بأي ثمن.
7- لا يجوز تفكيك (الدولة) وهم يقصدون بالدولة (الجيش والأمن)، حيث لا بد من الحفاظ على الجيش النظامي، وعلى مؤسسات الأمن، كما يطالبون بجيش خاص بهم (وطني) يأتمر بأمرهم (بقيادة منشقين مزعومين عن النظام لا نعلم مدى صدقهم) وعلى هذا الجيش الوطني أن يقاتل المتطرفين وينسى النظام، ثم يسعون لترويج فكرة دمج الجيش الحر (المعتدل) في الجيش النظامي لحماية الدولة من السقوط؟، أي باختصار إعادة إنتاج النظام بطريقة جديدة وبمشاركة المعتدلين؟.
8- الناس تعبت ويجب الاستجابة لحاجاتها، وإنقاذ الأرواح أهم من أي هدف سياسي، وحياة طفل واحد أهم من الثورة وأهدافها، ولا مانع لديهم من البكاء على ضحايا المجازر، وكأنهم قتلوا بحادث سير عرضي، وليس بفعل مجرم يريدون عدم محاسبته، يدعون أنه قوي ويستطيع قتل المزيد إذا ضغطنا عليه وحاصرناه، والذكاء أن نطمئنه ونفتح له باب الخروج المشرف (والعودة من النافذة المفتوحة طبعا).
9- بالأصل لم تكن هناك ثورة بل انتفاضة عبثية غائمة، استغلتها قوى متطرفة، وضخت فيها شعاراتها الإسلامية الغريبة عن الثورة، فانحسر عنها الثوار وتحولت لحرب أهلية، أثبت فيها النظام أنه قوي ولديه حاضنة شعبية مهمة خاصة من الصامتين. ولديه سمعة خارجية جيدة جدا ودول حليفة قوية، لذلك معظم العالم يفضله على الإسلاميين، بينما الحكومات الصديقة للثورة مرتبكة ومعادية لشعوبها وتكذب وتراوغ وهي تنصر التطرف وليس الديمقراطية. وهؤلاء عندما جلسوا مع الديبلوماسيين الغربيين مؤخرا ركزوا حديثهم على جرائم الجيش الحر وخطر التطرف وقدموا أنفسهم كحمائم سلام. وأوراق اعتمادهم لدى الدعم الأمريكي والغربي كديمقراطيين علمانيين مؤمنين بتطابق المصالح الغربية مع مصالحهم.
وهكذا نرى أن بعض الناس يتوهمون أن جنيف سوف تأتي لهم بالسلام والأمن والعودة إلى حياتهم، وبعض الثوار يتوهمون أنه مهما كان شكل الحل السياسي، فسوف يستكملون نضالهم من أجل الديمقراطية بطرق أخرى، وكأن من يستريح بعد كل هذا العناء ينهض من يومه التالي للثورة من جديد، فالكل يردد أن الأسد لن يكون موجودا في المستقبل، و التغيير مهما كان صغيرا سيبقي باب الثورة السلمية مفتوحا.. ويغيب عن بال هؤلاء أن جنيف محتومة الفشل، وأن نتيجة الفشل المحتوم هو ضياع سوريا المؤكد، وأن سوريا كما قيل سابقا هي سوريا الأسد، وغيابه مرتبط بغيابها ووجوده بوجودها .. فالحفاظ على الأسد حتى ما بعد انعقاد جنيف كان هدفه أن يفشل الحوار بين طرفين متناقضين تماما، بعد أن أمعن الأسد في ذبح شعبه على مسمع ومرأى العالم، ولا أفهم لماذا لا تمارس عليه الضغوط لكي يرحل، ولماذا لا يحول للمحاكم، أو على الأقل ليستقيل منذ الآن، فتنتهي الأزمة، وعندها قد يكفي انعقاد أي مؤتمر وطني من دون رعاية أحد، وبمبادرة وطنية داخلية على الأراضي السورية، تستطيع أن تحل الخلاف وينهي الصراع، الذي لم يكن ليندلع لولا سلوك الأسد ونظامه وحلفائهم…
المصيبة أن المجتمعين في جنيف سوف يكتشفون أن سوريا نفسها قد رحلت قبل الأسد، وهي الغائب الأول عن طاولة جنيف، ولم تعد موجودة، وأن ما سينتجونه بنتيجة اجتماعهم هو يوغوسلافيا جديدة وعراق جديد. وأن رحيل الأسد لن يحصل قبل استكمال مهمته في إلغاء سوريا (فشعاره معروف وهو الأسد أو نحرق البلد) فهو رئيس سوريا للأبد، أو آخر رئيس سوري لأنه أقسم على تدميرها.
وما سيتلو جنيف هو حالة دائمة من الصراع والاضطهاد والتمييز والتهجير، بين مربعات متناحرة، تستمر في تدمير بعضها ونفسها. وتستمر مرتهنة في طعامها ووقودها وسيادتها، سوريا دولة اتحادية بين العصابات، سوريا الوحشية والانتقام والتعصب. هذا ما يقودنا إليه طلاب جنيف الذين يدعون السلام والديمقراطية والمدنية، بعد أن ضيعوا البوصلة والهوية والانتماء، وتحولوا لقشة في مهيب ريح الدول، ووكلاء ينفذون ما يطلب منهم، في حالة ارتهان مذل.
و البعض يجادل أن حضور جنيف إجباري، هذا ممكن … لكن هذا لا يعني أن نذهب كلنا، وأن لا يوجد من يعارض ويرفض، ويشكل قوة ضغط وخطة ثانية، ولا يعني أن نعترف بها ونعطيها الشرعية، لتتلاعب بسوريا كدولة وكهوية وكنظام.
والبعض يقول إنها الحل الوحيد، وينسى أننا لسنا من طلبها، بل الروس هم من طلبوها لإنقاذ النظام من السقوط بأيدي الثوار، والحال التي وصلنا إليها هي نتيجة الضغوط المستمرة، والقيود المفروضة على الثورة لمنع انتصارها، فهي كذلك بفعل فاعل، ومع ذلك نقول بعكسهم إن سقوط الأسد أو رحيله هو فقط من سيفتح باب السلام، وبقاؤه هو عنوان لاستمرار الحرب، أما لماذا يصرون على بقائه قبل جنيف فذلك كما نتوقع مقصده شيء آخر غير الحل السياسي، إنه التقسيم، الذي سيكون هو الحل الوحيد المتاح بعد فشل جنيف، الذي يتسبب به الإصرار على بقاء الأسد.
مهما كانت المعارضة التي ستحضر هزيلة، لن يمكنها الموافقة على بقاء من قتل ودمر وشرد شعبه، وهو لن يوافق على الرحيل كما هو معروف من دون ضغط عسكري حقيقي، وهذا لن يكون، من دون قرار مجلس الأمن المعطل من الروس بموافقة أمريكية (لعبة مكتملة اللاعبين).
الأمريكان جعلوا الإيرانيين يرون الضربة بأعينهم، ما دفعهم لتقديم التنازلات لأمريكا واسرائيل، وهي ستكون على حساب حسن نصرالله وحماس، والأسد ليس له مكان في الصفقة، لكن غياب الأسد يجب أن يرتبط بغياب سوريا وهنا المصيبة. والخاسر الأكبر من الصفقة هم عرب الخليج الذين صاروا من الماضي وينتظرون المجهول في القادم من السنوات، بعد أن انتهى اعتماد الغرب عليهم، وبالتالي سيخرجون تباعا وقريبا من دائرة الاستقرار.
ومع قناعتنا بأن تقسيم سوريا لمكونات هو هدف الدول الراعية.. نرى أن هذه الدول تعلم أن هذا التقسيم لن يعيش طويلا لأنه عكس التاريخ، وأن واقع سوريا لا يتحمله، لكنهم على ما يبدو يريدون غياب الدولة السورية وراء بوابة الفشل لسنوات عشر، هي والدولة اللبنانية معا، والتي ستشهد سخونة متزايدة بدورها، لكي يتسنى لإسرائيل فرض حل نهائي ظالم للقضية الفلسطينية، ولكي يتسنى لها ولقبرص سحب جل الغاز المكتشف في شرق المتوسط، بشركات روسية وأمريكية وأوروبية، فجنيف اليوم أشبه بمحكمة قاضيها قط جائع عليه أن ينظر في قضية موضوعها الجبنة.
والشعب السوري منقسم فعلا بين مؤيد للنظام ويقاتل معه وهم قلة، وبين متفرج لا يريد النظام ولا المعارضة وهم أيضا قلة، وغالبية متضررة من حالة الحرب وتنتظر الخلاص وقد تعبت، ولا تستطيع التفكير أبعد من حاجاتها الأساسية، أما القلة المتبقية فهم من يعرفون أن الاستسلام والتوقف في هذه المرحلة ستعني تثبيت وضع كارثي لن يكون في صالح الشعب السوري، وأن متابعة القتال حتى تحقيق أهداف الثورة هو الحل الوحيد الكفيل بخروجنا المشرف كدولة وشعب نحو الحضارة والمدنية، والثورة هي أقصر الطرق نحو تحقيق الغايات … وهم من يسعون لكسب تأييد غالبية الشعب ورفع روح التحدي والصمود عنده، بعكس الطرف الثاني الذي يراهن على حالة الإحباط واليأس التي يصر على نشرها الطابور الخامس ممن يدعون المعارضة.
الثوار يفهمون أهداف الثورة كأمانة حملوها بعد أن قضى زملاؤهم من أجلها. ولا يستطيعون الخلاص من عهد الدم بينهم، يوم خرجوا بصدورهم العارية لمواجهة الرصاص .. فكونوا يا شعب سوريا مع هؤلاء الثوار الذين مجدتموهم يوم حملوا السلاح دفاعا عنكم في وجه عصابات الإجرام .. ليس هذا الوقت وقت استراحة، ولا وقت ملل بل وقت صبر ومصابرة، حتى نضمن رحيل النظام ووحدة البلاد وحقنا في الأرض، وبعدها نفكر بالسلام وأي سلام….
سلام من صبا بردى أرق…….. ودمع لا يكفكف يا دمشق
وللحرية الحمراء باب ……….بكل يد مضرجة يدق
لنكفكف دموعنا .. دموعنا التي انهمرت على كل غالٍ فقدناه وما أكثر ما فقدنا. نعم قد نبكي … لكننا نقاتل ولن نستسلم …. تقبل الله شهداءنا مرتين .. فنحن نقتلهم مرة ثانية بقتل قضيتهم التي استشهدوا لأجلها، قضيتهم التي هي الحرية والسيادة والوحدة والأرض والكرامة … المعركة اليوم ليست على شكل نظام الحكم، وليست من أجل الديمقراطية على أهميتها، بل على الوجود والهوية والأرض. هل تدركون ذلك؟؟ هل تستسلمون؟
لتسقط جنيف ويسقط من يريد الذهاب لجنيف، ولتحيا سوريا العربية الحرة وطنا لشعبها، ومنارة للإسلام الحنيف كما كانت عبر التاريخ. وثورة هي حتى النصر بإذن الله.
2013/10/7

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.