يثب

دلالات الضربة الأمريكية الأخيرة

د. كمال اللبواني

الدكتور كمال اللبواني

الدكتور كمال اللبواني

لم تكن قوات النظام وميليشيات ايران بحاجة لاستخدام السلاح الكيمياوي في الغوطة عندما كانت على أبواب نصر حاسم ، خاصة وهي تملك ترسانة عسكرية ضخمة مدعومة بغطاء جوي روسي مكثف . ولا أعتقد أن استخدام هذا السلاح يمكن أن يحدث من دون قرار ايراني سوري روسي بسبب التحذيرات المتكررة من الغرب ، لذلك فإن استخدام هذا السلاح المتعمد كان عبارة عن بالون اختبار لمقدار جدية الغرب في التدخل في سوريا والشرق الأوسط ، إيران بالذات أرادت أن تختبر ردود الفعل الأمريكية لتبني عليها نوعية سلوكها في المرحلة القادمة التي تتطلب منها مواجهة التهديدات المستمرة التي تتلقاها من اسرائيل والتي أوشكت على التحول لحرب مباشرة مفتوحة معها قبل فترة بسيطة عندما أصرت ايران على اختراق المجال الجوي الاسرائيلي .

نوع وحجم رد الفعل الأمريكي على استخدام السلاح الكيمياوي في الغوطة في تحدي صارخ للخطوط الحمر كان هزيلا ،واقتصر على استهدف مواقع يفترض أنها خالية بموجب اتفاق تسليم السلاح الكيماوي عام 2013 ، ولم يقوض قدرة النظام على انتاج واستخدام هذا السلاح ، ولم يعاقب من خرق الاتفاقية وارتكب جريمة الحرب ، هزالة رد الفعل هذا توحي بقصور في ادراك معنى الرسالة الإيرانية، وكذلك توحي بضعف شديد في الرغبة بالتحرك الفاعل في المنطقة ، الضربة الهزيلة من شأنها أن تشجع النظام وايران وحتى روسيا على التمادي أكثر وأكثر في تحدي التحذيرات والتهديدات وحتى الخطوط الحمر الأمريكية ، التي تفكر جديا في تجميد الاتفاق النووي مع ايران التي تتابع التقدم في برنامجها التسلحي ، وبشكل خاص ستشجع ايران على التصدي للهجمات الاسرائيليلية والرد عليها فيما لو حصلت ، مما سينقل المواجهة الإيرانية الإسرائيلية لمرحلة جديدة . وسيزيد من عنفوان وسعي ايران للسيطرة على المزيد من الدول العربية .

الدول العربية فهمت الرسالة أيضا على أنها تأكيد للتخلي الفعلي الأمريكي عن حلفائها في المنطقة لذلك ستسارع لكسب ود الروس واتقاء شر إيران وقبول التعايش مع نزعاتها للسيطرة في المنطقة . أما الشعب السوري فقد تعززت القناعة عنده في غياب النظام الدولي وفشله في تحمل مسؤؤلياته ، وفي عدم رغبة الغرب في التخلي عن نظام الأسد حتى لا نقول تشجيعه على ارتكاب الجرائم بحق شعبه ، لذلك سيتوزع بسبب حالة اليأس بين تيارين ، واحد يتجه للتقوقع والتعصب الديني والقومي ، وواحد براغماتي سيتجه للتحالف مع المشروع الإيراني لكي لا يكون نصر ايران على حسابه ، خاصة وأن ايران تعرض مشروع شراكة مع القوى السنية ( الإخوان المسلمين وتركيا وقطر ، وفق نموذج حماس حزب الله وعلى أرضية ممانعة النفوذ والهيمنة الغربية ).

اذا كانت الضربة السابقة هي نهاية المطاف وليست مجرد ضربة فوق طاولة التفاوض ، أو رسالة تحذير للروس ، أو مجرد إعلان عن تغير الطريقة التي ستتعامل بها مع قضايا المنطقة ، أي اذا لم يتبعها تحرك منهجي لتقويض النفوذ الإيراني وتحجيم الغطرسة الروسية ، ومعاقبة مجرمي الحرب . فإن من شأنها أن تكون بمثابة اعلان عن انسحاب الغرب وتخليه عن رعاية النظام الدولي وتراجعه عن دوره القيادي ، لصالح صعود محور الصين روسيا ايران الذي ستنضم له أعداد أكبر من دول الشرق الأوسط تساهم بسبب أهميتها الاستراتيجية في تحول نهائي وحاسم في ميزان القوة بين الشرق والغرب ، ويسرّع في تراجع الحضارة الغربية، مما سينعكس أزمة وجودية على اسرائيل ذاتها .

بسبب كونها قلب العالم القديم سوريا تختصر اليوم أزمات وصراعات العالم ، وعدم ادارك أهمية ما يحدث فيها ودلالاته ، أو التفكير في التخلي عنها ، سيكون له معنى واحد هو خسارة الحضارة الغربية لدورها في قيادة العالم ، وصعود قوى جديدة لا تقيم وزنا للقيم والمعايير التي تبنتها هذه الحضارة . من يكسب سوريا يكسب الرهان ، فسوريا هي مفتاح المنطقة وربان التحولات في عموم الشرق الأوسط الكبير الذي أصبح العالم الحاسم في رحجان القطبين العالميين المتنافسين الصين والولايات المتحدة .

إن المؤمنين بالديمقراطية والليبرالية وحقوق الانسان والتسامح والعيش المشترك والساعين للسلم والاستقرار في العالم هم من سيدفع الثمن باهظا عندما يهمين على العالم قوى متطرفة تعتمد معيار القوة والبطش والغلبة والتعصب ، وتشرعن استخدام كل أنواع الأسلحة والهمجية ، ولا تتورع عن ارتكاب كل أنواع الجرائم ضد الشعوب والانسانية … الموضوع ليس سوريا ، الموضوع هو لعنة الدم السوري التي ستطال الجميع في المنطقة وعبر البحار … عندما تتخلى القوة العاقلة عن نصرة الحق وتترك العالم للمجرمين .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *