شمال غربي سوريا: موسكو تحدد بنك أهدافها وتدمر 60 موقعاً للفصائل العسكرية التي تدعمها أنقرة

يواصل الطيران الحربي الروسي تنفيذ غارات مكثفة على المناطق الخارجة عن سيطرة الحلف السوري – الروسي شمال غربي سوريا، ضمن مسار تصعيدي واضح آخذٍ في الارتفاع منذ السادس من أيلول/ سبتمبر الجاري، تريد منه روسيا الضغط على أنقرة للعودة الى الاتفاقات السابقة، بهدف السيطرة على كل المشهد السوري دون مراعاة لمصالح ومخاوف الأطراف الأخرى، ما دفع تركيا إلى توجيه العديد من الرسائل السياسية والعسكرية، خلال الأيام الماضية كنوع من الرد على التصعيد الروسي الميداني.

فشل تركي – روسي

وتجدد القصف الجوي الروسي على محافظة إدلب، في ظل التصعيد المتواصل في الآونة الأخيرة ضمن «منطقة خفض التصعيد» حيث شنت المقاتلات الحربية الروسية غارات على مناطق في محيط دير سنبل في ريف إدلب الجنوبي، وأطراف منطقة الشيخ بحر شمال غربي إدلب. وقال الناشط الإعلامي محمد الخطيب من إدلب لـ «القدس العربي» إن الطيران الحربي الروسي شن أكثر من 11 غارة جوية، الأحد، حيث استهدفت 7 غارات قرى وبلدات جبل الزاوية في ريف إدلب الجنوبي، ولاسيما محيط بلدة كنصفرة والبارة والفطيرة وأطراف قرية «عين لاروز». كما استهدف الطيران الحربي بـ 4 غارات محاور الشيخ سليمان شرقي دارة عزة التابعة لريف حلب. وقال مراسل «نداء بوست»: إنّ الطائرات الحربية الروسية استأنفت قصفها لقرى وبلدات جبل الزاوية في ريف إدلب الجنوبي.

مصادر تتوقع اشتعال المعارك في الشمال «في أي لحظة»

وقال المسؤول لدى الدفاع المدني السوري، وليد أصلان لـ«القدس العربي» إن الطائرات الحربية الروسية شنت عصر الأحد غارات جوية استهدفت أطراف قريتيّ كنصفرة والفطيرة في ريف إدلب الجنوبي، وأطراف مدينة دارة عزة في ريف حلب الغربي، ولم تسفر الغارات عن إصابات بين المدنيين، لافتاً إلى أن المقاتلات الحربية الروسية تستهدف يومياً ومنذ أكثر من أسبوعين على التوالي قرى وبلدات جبل الزاوية في ريف إدلب الجنوبي، في تدمير ممنهج للبنية التحتية ومنازل المدنيين لمنعهم من العودة وفرض حالة من عدم الاستقرار في المنطقة، وسط تحليق مكثف لطائرات الاستطلاع.
وحول الخلاف التركي – الروسي المتعاظم وفشل الطرفين المحاولات السابقة لاحتوائه، الأمر الذي ينعكس ميدانيا، حيث تستخدم روسيا إدلب كغيرها من المناطق في الشمال التي تنتشر فيها نقاط وقوات للجيش التركي كساحة لإيصال رسائل لأنقرة وللغرب أيضا، يقول الخبير والمستشار السياسي محمد سرميني لـ «القدس العربي» أن السبب الأساسي هو تباين الأهداف للطرفين في سوريا، وبالتالي فإن «كل المحاولات السابقة لتلافي الاختلافات لم تنجح، فتركيا تريد حماية حدودها وإبعاد أي خطر من شأنه أن يهدد أمنها القومي، في حين أن روسيا تسيطر على كل المشهد السوري دون مراعاة لمصالح ومخاوف الأطراف الأخرى». ولذلك تعمد تركيا إلى الحوار والتفاهم مع الولايات المتحدة خارج اتفاق شوتشي وفق المتحدث.
ويرى أن روسيا تحاول من خلال التصعيد توجيه رسائل مبطنة للعودة إلى الاتفاقات السابقة والمحافظة عليها وعدم بناء تفاهمات خارجها، عازيا السبب إلى أن هذه التفاهمات سوف تكون على حساب مصالح روسيا في سوريا.

رسائل متبادلة

وقال «هناك حديث لدور تركي في كل الشمال السوري من غربه إلى شرقه بالتفاهم مع تركيا، وهذا يمثل تهديد لانهيار كل الاتفاقات التركية – الروسية، وبالتالي الاخلال بالتوازنات التي تم هندستها طيلة الأعوام الماضية.
وفي الطرف المقابل، وجهت أنقرة جملة من الرسائل السياسية والعسكرية، رداً على التصعيد الروسي، حيث تمثلت أهم الرسائل السياسية في استقبال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو في التاسع من أيلول/ سبتمبر وفداً سورياً، ضم سالم المسلط رئيس الائتلاف السوري المعارض، وأنس العبدة رئيس هيئة التفاوض، إلى جانب عبد الرحمن المصطفى رئيس الحكومة السورية المؤقتة، ثم تأكيد الوزير التركي على أن الائتلاف السوري والحكومة المؤقتة هما «الممثل الشرعي للشعب السوري».

رسائل روسية تصعيدية في إدلب… وتركيا ترد برسائل عسكرية وسياسية

اللقاء وما أعقبه من تصريحات، وفق حديث سرميني يمكن فهمه كرسالة تركية موجهة إلى موسكو من أجل دفعها للعودة للتهدئة من جديد، كما يمكن أن تكون رداً على النظام نفسه، والذي نفى قبل أيام وجود أيّ تعاون أو رغبة في التعاون بأي شكل مع تركيا. وسبق أن لوح رئيس الائتلاف السوري المعارض سالم المسلط بالانسحاب من العملية السياسية، مطلع الشهر الحالي، مشترطاً أن يتوقف التصعيد على كل من درعا وإدلب. وفي حال عرقلت أنقرة مسار العملية السياسية، فإن روسيا لن تكون قادرة على المضي قدماً في إنجاز حل سياسي يمكن تسويقه لدى المجتمع الدولي.
وحول الرسائل العسكرية، قال مدير مركز جسور للدراسات، إن استقبال وزير الخارجية التركي للوفد السوري الذي وصفه بأنه «اللقاء التركي – السوري، تزامن مع إعلان خمسة فصائل من الجيش الوطني السوري وهي: فرقة الحمزة وفرقة المعتصم وفرقة السلطان سليمان شاه والفرقة 20 ولواء صقور الشمال، الاندماج ضِمن «الجبهة السورية للتحرير».

توقع «اشتعال المعارك»

والفصائل المندمجة منضوية ضمن الفيلق الثاني، وهو من بين التشكيلات الأكثر قرباً لأنقرة، الأمر الذي يشير إلى إبراز تطور فصائل المعارضة العسكرية السورية المدعومة تركياً، وزيادة تنظيمها وتكتلها بشكل أكبر. وكان وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، قد انتقد في التاسع من أيلول/ سبتمبر، عدم تنفيذ تركيا لاتفاق «بوتين – اردوغان» الذي جرى توقيعه في آذار/ مارس 2020 حول إدلب، مؤكداً أنه لم يتم استكمال «فصل المعارضة العقلانية عن الإرهابية».
وقال سرميني «من غير المحتمل أن تقوم تركيا باتخاذ المزيد من الخطوات في إدلب، في ظل عدم وفاء روسيا بالتزامها الخاص بمنطقة شمال شرقي سوريا، والمتضمن إبعاد تنظيم «قسد» وحزب العمال الكردستاني عن الحدود التركية بعمق 30 كيلومترًا، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن تتجه الأوضاع للتصعيد الميداني، إذ من مصلحة الطرفين البحث عن حلول لدفع التفاهمات إلى الأمام، إلا إذا شهدت الساحة السورية تطورات جديدة ورغبة من الفاعلين الدوليين بتسخين الملف مجدداً».
في غضون ذلك، توقعت مصادر روسية اشتعال المعارك بين قوات النظام السوري وفصائل المعارضة المقربة من تركيا في ريف إدلب الجنوبي «في أي لحظة» خلال الأيام المقبلة. ونقلت وسائل إعلام روسية عن مصدر عسكري قوله «شهدت جبهات ريفي إدلب الجنوبي وحماة الشمالي تصعيداً استثنائياً خلال الأسبوعين الماضيين، تجلى بالقصف المستمر الذي تنفذه المجموعات المسلحة على القرى والبلدات المتاخمة لخطوط التماس، بالتزامن مع رصد حشود بشرية وعتاد ودعم لوجستي استثنائي أرسلتها تلك المجموعات إلى محاور جبل الزاوية في ريف إدلب الجنوبي وسهل الغاب في ريف حماة الشمالي الغربي».
وحول الغارات الجوية المركزة لسلاح الجو الروسي خلال الأيام الماضية أوضح المصدر أن «طائرات الاستطلاع الروسية حددت بنك أهداف تابعة للمجموعات المسلحة على عدة محاور في ريف إدلب الجنوبي والشمالي وفي ريف حماة الغربي، وتم التعامل معها عبر سلسلة من الغارات الجوية التي أسفرت عن تدمير أكثر من 60 موقعاً عسكرياً تستخدمه المجموعات المسلحة بالإضافة إلى مقتل وإصابة أكثر من 150 مسلحاً». وقال المصدر: «مسلحو (هيئة تحرير الشام) الواجهة الحالية لـ (تنظيم جبهة النصرة) «الإرهابي» في إدلب، بالتعاون مع الميليشيات الموالية لتركيا كـ «فيلق الشام» و«الجبهة الوطنية للتحرير» باتوا يعملون بشكل شبه يومي على شن هجمات على مواقع الجيش السوري واستهداف القرى والبلدات الآمنة بالقذائف الصاروخية، وهذا يدل على دعم كبير تقدمه تركيا لهذه الميليشيات من خلال مدها في الآونة الأخيرة بالسلاح والذخيرة والمعدات اللوجستية».
وحول احتمال شن قوات النظام عملا عسكريا في ريف إدلب، قال المصدر «من الطبيعي ألا نبقى في وضع الدفاع والرد على خروقات المسلحين… نحن ننسق … لكل الاحتمالات على أرض الميدان، ويجب حاليا أن نعمل على إبعاد خطر المسلحين عن المناطق المدنية في ريف حماة الشمال الغربي، وهذا الأمر لن يتم إلا من خلال العمل الميداني، وخاصة بعد فشل تركيا في تطبيق كل الاتفاقات السابقة، بالتالي… فمعركة إدلب قد تنطلق في أي لحظة».

القدس العربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.