في أنّ رئيس الولايات المتّحدة ديكتاتور!

عندما أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما، للمرة الأولى منتصف آب (أغسطس) 2011، أن بشار الأسد فقد شرعيته وطالبه بالتنحي عن السلطة، عدّ كثيرون إعلانَه نقطة تحول في الموقف الأميركي وفي الملف السوري عموماً. الفكرة التي كانت سائدة حينئذ أن رئيس أقوى دولة في العالم لا ينطق بحكم كهذا ما لم يكن اتخذ قراراً نهائياً، وما لم يكن قراره نتيجة دراسة للخيارات المتاحة أمامه، والتي سيدخل بعضها حيز التنفيذ دعماً لقراره.

لم تكن القوة الـــناعمة واحـــداً من الخــــيارات المتاحة للإدارة الأميــــركية. فالأخـــيرة لا تملك نفوذاً ضمن النظام ذاته لتـــدعم انقلاباً عليه، ولم تلمّح لمرة واحـــدة إلى إمكان استخــدامها ضد حلفاء النظام الروس أو الإيرانيين لردعهم عن مساندته.

بعد سنة على مطالبة الأسد بالتنحي، أعلن أوباما أن نقل السلاح الكيماوي أو استخدامه خط أحمر، حدث ذلك في آب 2012، وفي آب 2013 كان النظام السوري استخدم الكيماوي على نطاق واسع في الغوطة الشرقية. عملياً تراجع أوباما ليربط تدخله بالكيماوي حصراً، ثم أقلع عن تهديده نهائياً بموجب صفقة تسليم الكيماوي، حتى أن مماطلة النظام السوري في تنفيذ الصفقة لم تؤدِّ إلى التلويح بالقوة مجدداً. في أثناء ذلك كله، لم يتوقف البيت الأبيض عن إعلان عدم وجود نية للتدخل العسكري المباشر، ومن ثم عدم وجود حل في سورية سوى الحل السياسي.

فشل مفاوضات «جنيف 2» بسبب تعنت وفد النظام ولا مبالاته، لم يتسبب بالإحراج للكرملين بمقدار ما تسبب به للبيت الأبيض الذي وضع ثقله كله وراء جنيف، ووضع ثقته كاملة بالشريك الروسي. فشل جنيف عملياً هو إعلان فشل السياسة الأميركية تجاه الملف السوري. لذا ظهرت إلى العلن تسريبات لتصريحات من الإدارة تعلن فشلها، أو تنذر بالكارثة المقبلة في حال استمرار الوضع على ما هو عليه. لكن البيت الأبيض سرعان ما حاصر الانتقادات العلنية أو المضمرة من أركان الإدارة، فتراجع جون كيري عن إعلان الفشل ليتحدث عن خيارات تُدرس لتـــــقديمها إلى الرئيس، بينما قطع النـــاطق باســـم البيت الأبيض الطريق على تغييرات دراماتيكية بالإعـــلان عن معارضته تزويد مقاتلي المعارضة السورية صواريخ مضادة للطائرات محــمولة على الكتف، وبالطبع تتضمن هذه المعارضة تلقائياً قواعد الصواريخ الأكثر ثقلاً، أي أن المناطق الخارجة عن سيطرة النظام ستبقى تحت رحمة براميله المتفجرة.

إقليمياً، تتكفل الضغوط الأميركية بإغلاق طرق الإمداد عن مقاتلي المعارضة إذا فكرت في خرق الحظر الأميركي. فتركيا أردوغان تعرضت لضغوط شديدة كي تخفف حماستها للثورة، وصولاً إلى ما يُشاع عن أصابع أميركية وراء المتاعب التي يثيرها فتح الله غولن لأردوغان أخيراً. في الجنوب، يبدو التنسيق أفضل حالاً بين الأردن والإدارة الأميركية، وليس متوقعاً أن يتطلع الأردن إلى دور متميز أو دور مكمل للتمايز السعودي. أما طرق إمداد النظام بالسلاح والمقاتلين فمفتوحة على آخرها كما يعلم الجميع، وانحسرت حتى محاولات الضغط على نوري المالكي لمنع تدفق السلاح الإيراني عبر حدود العراق.

ضمن هذه المعطيات، يسهل الحديث عن ضعف كبير في السياسة الأميركية الراهنة، وأيضاً عن ضعف خاص بأوباما الذي رهن نفسه لتعهداته أثناء حملته الانتخابية بألاّ يورط الجيش الأميركي في حروب جديدة. لكن تبرير الفشل بالضعف لا يكفي مع إدارة تملك مفاتيح القوة، وما إن هددت بها مجرد تهديد حتى انصاع النظام وحلفاؤه ووافقوا على تسليم الكيماوي. الأمر إذاً يتعلق أولاً وأخيراً بالامتناع عن التهديد بالقوة، وليس فقط الامتناع عن استخدامها: فهما، بالأحرى، ضعف وفشل عن سابق إصرار، ولا توجد مصلحة أميركية منظورة للقول إنه انسحاب مدروس، بخاصة مع تصريح وزير الأمن الأميركي جي جونسون الأخير بأن «الحرب الأهلية» في سورية باتت مسألة أمن قومي للولايات المتحدة.

الأقرب إلى الصواب وصف سلوك أوباما في الملف السوري بالديكتاتورية بدل الضعف. فهو كرئيس، يستغل صلاحياته كاملة لتطويق وإجهاض أية وجهة نظر مخالفة له ضمن الإدارة أو الكونغرس. ما أشيع عن انشغاله بـ «آيباده» في الاجتماعات عندما تصل النقاشات إلى الملف السوري، لا ينبئ فقط بقلة اكتراثه بالموضوع السوري، بل أيضاً باستهتاره بما يطرحه أركان الإدارة في هذا الملف. صحيح أن النظام الأميركي يمنح الرئيس صلاحيات واسعة، ولكن لعلها المرة الأولى التي نرى فيها تهميشاً كبيراً لدوائر صنع القرار. مؤسسات مثل الخارجية والأمن القومي ووكالة الاستخبارات يجرى تغييبها أو تجاهل مقترحاتها، وعدد المرات التي تراجع فيها مسؤولو الملف السوري عن تصريحات لهم، وفي مقدمهم وزير الخارجية، يدل إلى أنهم ليسوا في مركز صنع القرار. باستثناء وزير الخارجية الذي يبدو في كثير من الأحيان أقرب إلى كونه مبعوثاً خاصاً بالرئيس، يكاد المتابع أن ينسى وجود شخصيات كان لها وزن وثقل في إدارات سابقة مثل نائب الرئيس ومسؤول الأمن القومي.

لا يمكن أن نعزو الضعف إلى رئيس هدد باستخدام الفيتو في حال أقر الكونغرس عقوبات جديدة ضد إيران، ومن الضروري أن نذكّر هنا بأن المرة الوحيدة التي سعى فيها أوباما إلى مشاركة الكونغرس في الشأن السوري كانت وقت التلويح بضربة عسكرية للنظام، وتحت غطاء تجريد الرئيس من صلاحياته في إعلان الحرب. لكن الأقرب إلى الواقع هو أنه أراد كسب مزيد من الوقت مراهناً على عدم توجيه الضربة، بدلالة سحب النقاش من الكونغرس والتراجع عن وعود بدعم المعارضة قُطعت في جلسات الاستماع آنذاك.

ضمن محاولة إيجاد الأعذار، يذهب بعضهم إلى أن نيل أوباما جائزة نوبل للسلام كبّله وأثّر في خياراته، وهذا يرهن السياسة الأميركية باعتبارات شخص واحد، لكن المؤكد أن نجوميته هي التي دفعت لجنة الجائزة إلى منحه إياها عام 2009 بلا إنجاز محدد. نذكّر هنا بأن آخر رئيس أميركي نال الجائزة قبله وهو في منصبه كان ودرو ويلسون إثر الانتصار على الإمبراطورية الألمانية عام 1919؛ ويلسون الذي كان أيضاً أول من قدّم الحمامة رمزاً للسلام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.