يثب

كيف نؤمن بالله ؟

د. كمال اللبواني

الدكتور كمال اللبواني

الدكتور كمال اللبواني

سؤال يتم عادة تجاهله على اعتبار أننا مؤمنون بمجرد نطق الشهادة أو بشهادة الميلاد من أبوَيْن مسلمَيْن ، لكن تظهر أهميته عندما نبحث عن إيمان فعلي في القلوب ؟ … هنا قد يستغرب البعض إذا قلنا أن كثيرا من المسلمين ومنهم من يقوم ويصوم لم يعرفوا معنى الإيمان بعد … فمسألة الإسلام تختلف عن مسألة الإيمان …

{ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (15) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللهَ بِدِينِكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (16) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (17) إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18) } (سورة الحجرات)

نحن نتربى منذ الصغر على وجود الله وكتابه ورسالته وهي أشياء نأخذها بالتربية وتستمر معنا وتعيش طالما أن ثقافة المجتمع المتوارثة تتكون منها وعليها ، لكنها تُؤخذ بحكم العادة وبمفعول الجماعة وبقوة التقليد وليس بمفعول الإيمان الفعلي النابع عن التجربة الذاتية التي لا بد أن تمر بمرحلة الشك … هذا يعني أنه ليس كل مسلم بالوراثة هو بالضرورة مؤمن بالله … قد تلمس في سلوك الكثير من المسلمين أن الله غير موجود في قلوبهم عندما تغيب عيون الرقيب أو عندما يتعلق الموضوع بالمال أو بالسلطة أو حتى بقبول القدر  أو … يتصرفون وكأن الله يوجد فقط عندما توجد رقابة المجتمع ، وفي المسجد عند صلاة الجماعة، ولكنه يغيب عن دكانهم وتجارتهم ومكاتب سلطتهم  وخزائن أماناتهم  ومعاملاتهم وغيرها وغيره … هذا ( التظاهر بالإيمان ) شائع بل مفرط في اتباعه للشكل (الذقن والقميص)، فقير في (الخشية الذاتية)  والرادع الداخلي،  يظهر جليا في السلوك والتعامل المادي والسلطوي الشائع في حياتنا اليومية رغم ادعائنا الاسلام . فسلوكنا يظهر ما في قلوبنا من قسوة وتسلط وطمع يتناقض مع رحمة الإيمان القائم على المحبة والتسامح والصدقة لوجهه تعالى .

لا شك  يبدأ موضوع الإيمان بالله من التصديق والتقليد … فمن بديهيات العقل والتفكير في الثقافة الموروثة أنه يوجد رب خالق وإله مطاع … لكن هذا لا يشكل قوة ذات أثر في سلوك البشر عندما لا يسكن الضمير ويحرك الدوافع والذي يتطلب أكثر من التقليد الموروث أي الاحساس الشخصي … حيث يبقى الموروث جزءً من الخطاب والشكليات مفتقدا للمفعول الحقيقي … بينما لا يعتني الخطاب الديني الرسمي بمسألة توليد الإيمان بقدر عنايته بمسألة العبادات والشرعيات والسلطات البشرية التي تقوم على الإخضاع المبرر بسلطة الدين … ويعوض عن تهافت مستوى الإيمان في السلوك بواسطة تحفيظ القرآن والإكثار من الصلوات والعبادات … حتى شاع المثل القائل : ( إذا حج جارك … فبع دارك ) .

ما لا يمكن التعويض عنه هو وجود الضمير الذي يسكن الإنسان ويشكل رقيبه الداخلي كقوة ضابطة ومحركة … فترى الانسان يكذب ويخشى الناس وينسى أن الله أولى بالخشية ، ويرتكب ما يرتكب بالسر وينسى أن الله يرى … وهكذا وبسبب نقص الإيمان بالله يتحول الاسلام لشكليات مفتقرة للمضمون تهتم فقط بما يقوله الناس وما يظهر لهم ( رياء ) لذلك عادة الإيمان العقلي والفلسفي غير كافي لتوليد الخشية … ولا بد من لمس وجود الإله القدير المتحكم في الأحداث  لكي تتحول القناعة ليقين ويتفعل الضمير الديني … فمهما قرأنا من الكتب الفقهية والفلسفية سوف نبقى في صعيد القناعة التي لا تدخل الضمير فالمدلولات المعلبة في قوالب اللغة لا تحمل معها أحاسيس الشعور بها … ولكي نتجاوز هذا النقص الفقهي والتربوي الديني نعود للسؤال البسيط كيف نؤمن بالله :

لا شك سيكون هذا الإيمان أسهل وأقرب للقلب عندما يتربى الإنسان في مجتمع مسلم ويعيش ثقافة دينية خلقية  … وعندما يبلغ الحلم سوف يفكر بعقله ويتأمل في الخلق، فالجزء الأول من الإيمان هو اتباع وتصديق وتنشئة ، ثم يتلوه مناقشة و استنتاج عقلي بوجود خالق ونظام في الكون ( عقل القضاء ) .

{ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) } (سورة آل عمران)

وكل شاب سيمر في مرحلة أسئلة فلسفية كبرى من الصعب حسمها خاصة عندما تتطرق لفهم عالم المتغير والمتطور، عالم الحدث المتحرك الذي يظهر وكأنه محكوم بالصدفة وليس بإرادة واعية … لا يستطيع العقل ايجاد الغائية بسهولة في أحداث عادة تبدو عشوائية وغير مبررة : مثل غنى الفاسد ، وفقر الصادق ، ومدد الظالم ، أو إصابة طفل صغير لا ذنب له بالسرطان ، أو ولادة معاق ، أو حتى قباحة الشكل، ولا يستطيع أن يفسر ما يحدث للمؤمنين من مصائب ونكبات كما حصل مع الشعب السوري ، قد يفشل العقل في الوصول لاستنتاج وجود إله قدير يتحكم بهذا التغير ويوجهه ، وقد لا يدرك العقل الحكمة فيها ويضيع في أسئلة محيرة يقمعها ويسكتها … فمفهوم الغائية والحكمة المتعارف عليه ما يزال يعتمد معايير انسانية محصورة في الدنيا ، فالمفهوم الشائع أن ما يحدث لنا هو ثواب أو عقاب دنيوي ، ويتبع ذلك أنه لكي نؤمن بالله عليه أن ينفذ رغباتنا أولا ، أو بالعكس عندما نؤمن به يصبح عليه أن ينفذ رغباتنا ، خاصة إذا صلينا له وصمنا ولبسنا كما أمر ، أي نقيم معه علاقة تجارية تشبه البيع والشراء والعمل الأجير ، فإذا دفعنا الثمن وهو العبادات وجب عليه رزقنا بما نريد، أي نطلب أن يكف عن كونه رب خالق سيد نرتبط به بعلاقة عبودية،  وكل ذلك باسم الإسلام وبواسطة مفاهيم خاطئة ، ليصبح بنتيجة ايماننا ما نريده نحن هو ما يجب أن يحدث ، ضمن محددات تجارية نصت عليها الشريعة وضرائب ملزمة الدفع هي العبادات ، وإلا إذا لم يحدث فليس هناك حكمة ولا غاية تبعا لهذا المفهوم ، بل علاقة خوف واتقاء غضب سلطة مبهمة افتراضية ينتجها تصديق الموروث عن الحساب والعقاب …

{ إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111) التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (112) } (سورة التوبة)

نلحظ إذا وجود خلل و نقص في تعريف العلاقة بين الانسان والخالق يتسبب في تغييب الإيمان ، و نقص أيضا في مفاهيمنا الدينية عن طبيعة الحياة الدنيا ، حيث غالبا ما نتعامل معها كدار بقاء وعدل وليس دار شقاء ونقص وفتنة … نطلب فيها أن نُعطى لا أن نَعطي ، نفترض أن صلاح أمورنا في هذه الدنيا هو الهدف  وننسى أن الله اقامها على وحدة وصراع الأضداد وخلق فيها ابليس … لذلك ضمن هذا التشوش الكبير يضيع الكثيرون ويعجزون عن تلمس واحساس وجود الإله المتحكم المسيّر للأحداث ، ويجاهروا بإلحادهم إذا امتلكوا الشجاعة ، أو يمارسوا النفاق المرتبط بالجبن الذي هو أشد من الكفر …

لحل هذه المشكلة المتوقعة حتى مع الأنبياء ، من غير المنطقي انتظار المعجزات … { وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } (سورة البقرة 260)

لذلك لا بد من وسيلة أخرى تدعم القناعة العقلية وتحولها ليقين واطمئنان … والتي لن نجدها في الكتب ولا في دروس الدين ولا فقه الشريعة الرسمية … ويندر أن تجد مجلس دين يهتم بها لأنها ليست علماً مدوناً بل تجربة معاشة تعاش في الواقع ولا يمكن تجييرها ولا تناقلها ، ولأنه من المفترض بداهة أن الإيمان موجود ، ولأنه لا يجوز لأحد أن يشكك في إيمان أحد ، طالما أنه لا يعلم ما في قلبه …  لذلك تبقى مسألة وجود الإيمان مستترة خلف ستائر سميكة ، وتغطيها واجهة عريضة قد تكون مضللة ، فيتصف السلوك بالنفاق وهي سمة شائعة في المجتمع العربي … حتى  يظهر بين الفينة والفينة من المراهقين من يتمرد ويجاهر بأنه غير مؤمن ، فنؤنبه ونلومه وربما نهجره ونتقيه ومنا من يقتله … دون محاولة فهم أسباب هذا العجز عن الوصول للإيمان ، ودون ادراك لغياب الوسيلة الفعالة في توليد الإيمان في ثقافتنا .. وهي ما يجب أن تكون في جوهر الخطاب الديني المقنع والمعتمد على العقل ، وهذا الخطاب هو أيضا ضعيف وغير متناسب مع تطور المعارف ومع عقل اليوم ، ولا يشمل التدريب على التجربة الدينية التي تؤدي للشعور بوجود الله والإحساس به من خلال تعلم متابعة القدر وإدراك حكمته ، بمساعدة مدرسين وأئمة يشكلون قدوة حقيقية على طريق الزهد والإيمان ، وليس قادة متسلطين محبين للدنيا باسم رجال دين …

{ قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69) قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75) } (سورة الكهف)

القدر ( الإله المحرك القريب المجيب ) يشبه مؤلف الرواية : يرسم للشخصيات الأحداث التي تمر بها والتي تظهر وكأنها متوقعة طبيعية غير مصطنعة ، لكنه مع ذلك يصل في نهايتها لنتيجة أو حكمة منطقية … فالحدث بذاته لا يجب أن يظهر كحدث مفتعل وحكيم بل عشوائي ، لكن تسلسل كل ما يحدث للشخصيات مدروس ومبرمج يؤدي غايته فالقدر لا يدرَك بتحليل كل حدث لوحده ، والذي لا بد يحدث بقضاء وضمن نظام معروف يمكن ادراكه، بل بتحليل تسلسل وتتابع هذه الأحداث وتوجهها  … أي عندما نرى الواقع كرواية ودراما يكتبها الإله القدير ونلعب نحن أدوارها ، ونبدأ بادراك الخيارات والطريقة التي يتعامل بها مع الحوادث وصانعيها ، وننتقل لإدراك الغايات التي تقف وراء تسلسل هذه الأحداث التي تحدث معنا وتبدو عادية … حينها نبدأ بالشعور بالله ليس كفاعل مباشر خارق خارج نظام القضاء المعقول ، بل كغاية محتجبة تحترم هذا القضاء لكنها قادرة على الاختيار فيه ، أي أن الإيمان ليس مشاهدةً لذات الإله  كفاعل قادر على العبث بنظام الكون ( صانع المعجزات والخوارق) ، بل لمساً لأفعاله كموجه ضمن هذا النظام يختار من احتمالاته ما يريد ( وهذا يتطلب فهما صحيحا لمفهومي القضاء والقدر ) …

هناك تيسير وهناك عسر واحباط نلحظه في مسارات حياتنا … و هناك تقلب في الأفئدة فتنشرح لأمر أو تنقبض عنه … وهناك الكثير من التداخلات التي ليست في حسباننا ولا ضمن ارادتنا تتحكم في الأحداث التي نمر بها … القدر أحيانا يختار حدثا احتماله جد قليل ، ثم يتبعه بحدث آخر احتماله أيضا جد قليل ، عندها ندرك من خلال تتابع ما يسمى بالصدف النادرة أن هناك من يحركها ويختارها … ونعرف غاياته . وأحيانا نوضع في مكان لم نفكر بالتواجد فيه ، ونجبر على التعرف بأناس لم نفكر أبدا بهم ، ويأتينا من الأشياء ما لم نفكر باقتنائها ، وفجأة تتغير الظروف فنعرف لماذا وضعنا القدير في هذا الحدث وكيف حضّرنا له من دون دراية وعلم منا  … نستطيع أن نفسر لماذا حدثت معنا تلك المشكلة أو هذه الخسارة ، وقد نستطيع أن نعرف لماذا رزقنا الله وعوضنا خيرا … فما نفعله يلقى تجاوبا من القدر وتفاعل، هذه تجربة خاصة يعيشها الانسان البسيط الذي يتصدق تزكية لأولاده … ويتجنب الظلم خوفا عليهم … وهكذا …. مثل تلك القصص والأحداث يجب التفكر فيها والتبصر للوصول لحقيقة أساسية أننا نعيش الحضرة ونعمل بتوفيق وهداية من الله الذي نسلم له … وهذا هو الإيمان الحقيقي الذي يقوى ويضعف حسب كون الانسان قد مسه الشر أو مسه الخير .

إن فهم القدر المحرك للأحداث بعمق وروية قد يؤدي لاستنتاج بسيط أنه يسير بعقلانية وبأهداف قد نستطيع أن نلمس بعضها وهذا يكفي لنقتنع أن ما يحدث ليس مجرد صدف … ثم يتبعها محاولة التفاعل مع القدر التي سوف تشعرك بالحضرة والوجود لو نجحت، فإذا وصلت مرحلة التأثير الواعي في القدر  فتكون قد وصلت لليقين … وهذا عمل طويل وشاق يحتاج للتأمل والصبر ، وتجربة وخبرة حياتية وتدريب من السابقين على هذا الدرب ، ولا يمكن تعلمه من قراءة الكتب ولا من حفظها وتكرارها عن ظهر قلب .

وعندما نصل لمرحلة من الخبرة والإحساس بالقدير ، حينها نبدأ بالتفاعل معه والتسبيح له، ونوجه سلوكنا ليكون منسجما أكثر وأكثر مع غايات القدير الإله المعبود ، وبمقدار ذواب ذواتنا وانسجامها مع قدرها ، أي بمقدار غياب ذاتينتا وشهواتنا بمقدار ما ننضم للحضرة ونعيش قدرنا ليس كإجبار بل كقبول وتسليم وتوكل … فالإيمان بالله لا يجعلنا آلهة نأمر فنطاع كما يتوهم البعض ، وهو ليس نوعا من السحر الذي يعطينا قدرات وميزات استثنائية ، ولا يشترط أن نحصل على الخير والسعادة والسلطة والجاه والصحة … بل غالبا ما يشعرنا بفقرنا إلى الله وحاجتنا اليه وتوكلنا عليه …

لكن عندما يصل دعاؤنا ويلبى طلبنا وأملنا ، الذي عادة لا يكون أنانيا ولا ذاتيا، أي عندما نصبح قادرين على المشاركة والتأثير في القدر عبر الدعاء المستجاب ( الكرامة ) ، عندها نشعر تماما بوجود الله ويتحول التصديق ليقين ، وتصبح الصلاة حاجة ذاتية واتصال حقيقي، وليست ضريبة يجب أن تدفع للحصول على احترام الناس أو اتقاء غضب الإله أو حتى الطمع في نعيمه… ويصبح تطهير السلوك ليس بسبب خشية الناس ،بل خشية القدير المراقب المحاسب ، واحترام المحب المتسامح الغفور الرحمن الرحيم … يصبح الإيمان والتوكل هو مولّد الشجاعة الحقيقية الناجمة عن الاطمئنان والتي تختلف عن الحماقة النابعة عن عدم التقدير … فالشجاعة المتولدة عنه ليست جهلا بالمخاطر بل قمة المعرفة بالقضاء والقدر وصولا لمعرفة ولمس الإله القادر الذي نعيش في حضرته ونتوكل عليه … فالتوكل حصيلة تجربة الإيمان الشخصية ، ولا يمكن أن يكون جماعيا لاختلاف الأنفس ودرجات الإيمان . والتوكل ليس رميا للنفس في التهلكة من دون علم ولا دراية ، ولا هو تجريب لله . بل هو معرفة حقيقة بالقدر وتفاعل معه وقبول به برضى نفس وتسليم.

{ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112) } (سورة البقرة)

الكثير من المسلمين البسطاء الذين لا يعرفون فقها ولا يقرؤون كتابا يعيشون هذه التجربة ويلمسون وجود الله ويخشونه، بينما يعجز عنها متفقهون يعتمدون في ايمانهم على قراءاتهم وليس تجاربهم الخاصة أو سلوكهم في درب محبة الله والتوكل عليه … المدارس الرسمية تعلم الإسلام والشريعة / السلطة ، أما المدارس الصوفية فتعلم الإيمان واللمس والعيش في الحضرة … فتحول الإسلام (أي عقد السلم السياسي القائم على تبادل المصالح ضمن نظام الشريعة )  لإيمان ( أي محبة الخالق والخلق التي تدفع لفعل الخير الخالص لوجه الله تعالى ) .

هذا النوع من الإيمان ليس حصريا للدين الاسلامي فالكثير من الديانات بما فيها غير السماوية تقوم عليه … حتى الكثير ممن يدعون الإلحاد بلسانهم ( أي عدم تصديقهم للخطاب الرسمي الديني ) يحملون في داخلهم نوعا من هذا الإيمان ويتعاملون معه دون أن يسمونه ايمانا ودينا ، فهو شيء فطري في الإنسان .

للأسف نلاحظ ظاهرة عامة مؤسفة : هي عدم تناسب مقدار تفقه المرء وعلومه الدينية مع ما في قلبه وسلوكه من إيمان … غالبا نجد الإيمان الصادق عند الأميين والبسطاء ، ونلحظ أن خيرة المجاهدين وأكرم الشهداء وخيرة المتصدقين هم من البسطاء وليس من العلماء ، ولا رجال الفقه أو مشايخ المساجد أو المجاهرين بفرط التدين … نستنتج من هذه الملاحظة أن العلم الديني الرسمي  لا يعزز الإيمان ، بل يكلّسه ويحوله لتصديق تجاري ، بينما من لا يخضع لهذا الفكر المتخشب يبقى قلبه حرا ويستطيع بتجاربه الحسية البسيطة التوصل للإيمان النقي الخالص …

{ وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (24) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (25) } (سورة الزخرف)

لذلك نشعر أننا اليوم في موقع يتطلب منا الاحتجاج على الخطاب الديني الرسمي الذي يستخدم الدين كوسيلة قمع وتجهيل وتبرير للفساد ويرتبط بالقمع السياسي والنفاق والتزمت والتعصب والعنف والإرهاب ولا ينتج عنه سوى الكراهية والأنانية، يستخدم القرآن ضد العقل كابحا للتفكر والابداع والتطور ، (يعتبر كل ابداع هو ضلالة من حيث المبدأ ) … نحتاج لثورة تطيح بكهنوت الفقه الإسلامي الرسمي الذي يحرس هذا النوع من الخطاب ويديمه ، ثورة تشبه ثورة البروتوستانت على الكنيسة الفاتيكانية … بعد أن تحول الاسلام إلى نظام كنسي منغلق ومُصادر ، تطور على مدى قرون من التعاون غير النزيه بين سلاطين القهر ورجال الفقه المتعيشين على موائدهم،

{ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (20) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (21) وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (22) } (سورة لقمان)

لن يكون تطور المسلمين كتطور المسيحيين مرتبطا بالعلمنة وبطرد الدين من المعاش المجتمعي والسياسي ، وحصره في شؤون الموت وحول المدافن معتمدين على تنامي البنى الاقتصادية ومنتجين لثقافة جديدة تقوم على الحرية المحكومة بعلاقات القوة … بل بتطوير مناهج العقل الديني ، واستنباط سبل تطبيق جديدة للعقيدة تحفظ قيمها في زمن نحن أحوج ما نكون لاستخدام القيم الخلقية في مواجهة غطرسة القوة، فتجاوز التخلف في العالم الاسلامي يتطلب ثورة ثقافية في غياب الرافعة الاقتصادية ، وفي ظل تفشي الفشل السياسي الناجم عن تطبيق شعار الحرية من دون أسس وضوابط ومؤسسات ناظمة للحياة المجتمعية . ولا يمكن تفسير الحالة التي وصلنا اليها من دون تحميل المسؤولية للموروث الثقافي الذي ما يزال يعيد انتاج التخلف والاستبداد والعنف ، محصنا نفسه بادعاء كونه هو الدين القويم الذي يعلمنا اياه رجال الدين …

{ وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (68) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهًا (69) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71) إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (72) لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا (73) } (سورة الأحزاب)

تعليق واحد

  1. مامون نقار

    مقالتك مفيدة…تطرقت لجانب مهم من جوانب العقيدة وهو ان تؤمن بالله كانك تراه فان لم يكن تراه فهو يراك …كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
    كم البشرية بحاجة للصدق مع النفس..والتجرد بان وجودنا هو خدمة لعباد الله…ايات القران 6236 اية منها 110 للعبادات والعقيدة والباقي للحياة العامة …لذلك فصل العلماء كثيرا بمقاصد الشريعة الربانية….جزاك الله خيرا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *