يثب

للبيان والتبيين

د. كمال اللبواني 

الدكتور كمال اللبواني

الدكتور كمال اللبواني

كنت في الآونة الأخيرة هدفا لحملة من التعرض والاتهام على صفحات التواصل الاجتماعي، التي حولها السوريون لصفحات شتم وسباب وفرقة… وطلب مني الكثير من الأصدقاء أن أوضح موقفي وأدافع عنه … ولكنني فضلت التريث قليلا حتى تهدأ الحملة المحرضة بدوافع عاطفية وشعورية وحزبية وشخصية .. والتي ربما عجزت عن الوصول لمجموعة من الأمور تشكل عندي منظومة الحقائق التي أبني عليها فلسفتي وبالتالي سلوكي: 

  1. 1- لم أكن يوما مؤمنا بوجود دولة اسمها سوريا ولا سلطة شرعية فيها لا في الماضي ولا في الحاضر ، فقد كانت بالنسبة لي دولة فاشلة وبمثابة سجن كبير محكوم من عصابة أشرار ، ولم أقتنع للحظة واحدة بشرعية نظامها ولا قانونها .. لذلك كنت أمارس حريتي علنا بغض النظر عنه، وهو ما تسبب في سجني المتكرر الذي لم يكن بسبب أي قضية أكبر من وجودي ككائن حر ومسؤول يرفض العبودية للآخرين، وبسبب قناعتي بأن الحقوق تنتزع بالممارسة وليس بالاستجداء . فالحر هو الذي يمارس حريته، وما أنا مقتنع بأنه حقي أمارسه علنا وعلى رؤوس الأشهاد .. تيمنا بسلوك الصحابي عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وطالما أن معارضتي لا تتعدى القول والموقف فهي أفضل الجهاد، الذي لا يحتاج لإذن أو فتوى ولا مشورة ملزمة. 
  2. 2-كما ولم أشعر يوما بوجود اجتماعي قوي أو متماسك ، ولا بثقافة قوية راسخة ومقنعة، بل لمست على الدوام عدم اليقين والتشكك والتناقض بين ما يظهر وما يبطن، بما في ذلك التدين الاسلاميالذي كان موضوع تجارة كغيره من قضايا قومية وأيديولوجية .. فالقلة فقط يفهمون الدين و يملكون الايمان ، والكثرة يلبسونه كقناع ويتاجرون به شكلا دون مضمون… وكنت أردد البيت القائل ( قتلتنا الردة… قتلنا أن الواحد منا… يحمل في الداخل ضده … ) فالتناقض والنفاق والكذب والتظاهر والخيانة والفساد هي السمات التي تطبع الثقافة الفعالة والسلوك العام السائد ، والتي هي المسؤولة عن التخلف الذي هيأ الظروف للاستبداد وكرسه .
  3. 3-لذلك كنت وما أزال معارضا لهذا النظام المستبد الذي يعبر عن تلك الثقافة ، وللأرضية التي أنتجته وقام عليها ، ومعارضتي للنظام لا تعني ولائي لمعارضيه الذين تبين لي أنهم مثله ويقفون على ذات الأرضية القيمية بل ربما أسوأ . فأنا لم أثر على النظام من أجل أحد ( عرب ، سنة ، مقاومة )  أو حقدا على أحد( علوي شيعي مسيحي صليبي يهودي )  بل كتعبير عن نفسي التي أردتها حرة ومتحررة من الرياء والنفاق ، ومن لبس الأقنعة المخادعة، ومعارضتي هذه باقية كتعبير عن شخصي ، حتى لو كنت وحيدا في هذا ، وقد سبق وحصل ذلك في زمن ما، ولم أسأل في معارضتي عونا ولا تشجيعا يوم كنت وحيدا، وأنا مستمر في ذلك وبكل الوسائل المتاحة ، ما أمد الله لي من عمر ، أو حتى تقويضه وتغيير الأرضية التي أنتجته ، والتي تعمل على تجديده واعادة انتاجه بأشكال مختلفة تسمي نفسها معارضة. ولا أريد ثمن ذلك من أحد . فهو خالص لما يرضي ضميري ، أو لوجه الله تعالى (بتعبير آخر حيث يعتبر قلب المؤمن عرشا للرحمن ) . 
  4. 4-والثورة التي بدأتها منذ صغري هي ما تعلمته من قصة الطفل الذي قال للملكأنه عار ولا يرتدي سوى الوهم … فالحقيقة بذاتها هدف حتى لو كانت جارحة ، والمعرفة هي غايتي ومتعتي الأهم ، والتي أقتحم من أجلها كل المجاهيل والممنوعات … ولدي والحمد لله القدرة الكافية للحكم الموضوعي على الأشياء، بسبب تخلصي من العقل الدوغمائي المغلق الذي يطبع ثقافتنا التعصبية … وما أخجل من فعله لا أفعله، وما أفعله أستطيع تبريره دينيا وعقليا وأخلاقيا .. وحتى وصلت هذا المكان بذلت جهدا تغييريا هائلا (داخلي وخارجي) … فهو حاصل جهادين كبير وصغير .. لم يكن خوضهما بالسهل ولا الهين، ولم يبدأ بمظاهرة في شارع بعد 18 آذار 2011 . بل بدأ منذ بداية تكويني النفسي والعقلي والسياسي ، ولم ينتظر الآخرين في يوم ولن يفعل في آخر. 
  5. 5- معظم الثوريين الحقيقيين الذين أشعلوا نار هذه الثورة قد قضوا نحبهم ، فمنهم من سقط شهيدا على يد النظام ، ومنهم من سقط فاسدا على يد الممولين المفسدين  وفي مضمار التسابق على الكراسي .. وما أشهده اليوم ويدعي قيادة الثورة لا علاقة له بها مكانا وزمانا وقيما وروحا ، إنهم تجار ثورات وتجار دين ، وهم  الوجه الآخر لتجار القومية والمقاومة، وكلاهما صورة مجسدة للتخلف والبؤس والاستبداد والإرهاب والطائفية والعصبوية والنفاق والانتهاز والجريمة .. وما شاهدته في المجلس الوطني ، وبعده في الائتلاف ، وفي الحكومة وبقية المؤسسات المعارضة ، من فشل ومحسوبيات واستبداد وفساد ، يتفوق على ما شهدته من فساد النظام وتعاسته … كما أن ما شاهدته في الداخل ليس أفضل حالا مما يحدث في الخارج ، وفهمكم كفاية ، ولا نريد التجريح بمن يحمل السلاح ويقاتل دفاعا عن بيته وأسرته ، لكننا لا نستطيع انكار تخلفه الفكري والأخلاقي والسلوكي … فالمعركة حاليا صحيح أنها بين ظالم ومظلوم ، لكنهما يحملان ثقافة واحدة وسوية خلقية متقاربة، أي أنها ليست بين الخير والشر أو التخلف والتقدم … ولم تثبت الوقائع على الأرض أن المناطق المحررة تدار بشكل أرقى من مناطق النظام، ولم يثبت أن هناك فارق غير طائفي بين حالش وداعش ، وبين شبيحة النظام وأمراء الحرب المحليين . والتقلب والتغير الذي أنتقد به ، هو حاصل بحثي التجريبي عن معارضة حقيقة لنظام الاستبداد والفساد .. والتي بكل أسف لم تتبلور بعد حتى في صفوف من ظلمهم وأمعن بهم تقتيلا وتشريدا. وبمن فيهم المعارضة المسلحة الأكثر شراسة في قتاله ، والتي تتجه لإعادة انتاج نظم استبدادية باسم الدين . 
  6. 6- مظاهر التدين والاتجار بالدين هي مجرد أقنعه تخفي وراءها خواء حقيقي في ساحة  الإيمان والضمير والقلب ، الذي يصدقه العمل .  والممارسات المستورة لهؤلاء المتاجرين تعكس مدى استخدامهم للدين كغطاء لما هو ضده وعكسه . لذلك أنا أشعر بالريبة والحذر بقدر ازدياد التركيز على المظهر ( الذقن واللباس والألفاظ ) لأن حجم التركيز عليها يعكس مقدار خواء الإيمان لصالح نقيضه ، وأستطيع أن أقارن كيف كان أكثر الحاقدين على بشار كانوا أكثرهم تملقا للأمن وتظاهرا بحبه، فالظاهرة تتكرر بلون مختلف لكنها موحدة بشخوصها ووسائلها ودلالاتها ، فبالرغم من طغيان طابع التدين على الثورة فإن ما يمارس من فعل يؤكد العكس … أي يظهر مقدار تراجع دور الضمير والإيمان في توجيه السلوك ، الذي يتجلى في استسهال تكفير الآخرين وتبرير التسلط عليهم .. وهذا يعتبر فشلا ذريعا كبيرا للأيديولوجيا الإسلامية التي هيمنت على الربيع العربي وتسببت في تحويله لشتاء قارس .
  7. 7- حبي في المعرفة والاطلاع يدفعني للوصول لكل الأماكن ومقابلة كل الأشخاص، وكل ما قمت به ليس نيابة عن أحد ولا بتكليف منه أو تمثيلا له . فأنا عندما عارضت الأسد خالفت كل الرأي العام يومها، وعندما تقدمت بطلب اللجوء السياسي قبل ثلاث سنوات من داخل سوريا . كنت قد أدركت عجزنا الذاتي عن الخروج مما نحن فيه، وكنت أقصد فعلا أن أصبح متحررا من الحواجز بين الشعوب ، ولكوني لا أرى مخرجا من دون صيغ تفاهم مع الآخرين وخاصة الغرب . 
  8. 8-وفي هذا السياق جاءت زيارتي لإسرائيل التي كانت بدافع معرفي استكشافي يبحث في آفاق المستقبل بما يتجاوز الماضي الذي يجب أن لا يتكرر . وقد حققت النتائج التي كنت أرجوها منها على المستوى الشخصي . أما على المستوى السياسي فتحقيق النتائج المأمولة  يحتاج لمساهمة من المعنيين بالأمر من سوريين وغيرهم ، وهذا يتعلق بقرارهم الخاص ، وما عملت عليه هو فتح هذا الباب الذي كان محرما خدمة لغرض بقاء النظام. 
  9. 9- معارضتي لنظام الأسد تساوي معارضتي لنظام المعارضة الخارجية التي تقلده ، ولا تعني إطلاقا أي التزام ببقية معارضيه الحقيقيين الذين يعارضونه لأسبابهم الخاصة ، ومن الصعب علي الالتزام بهم ، أو تأييد كل ما يقومون به ، رغم أنني أسعى لتأمين وسائل النصر الذي يجب أن يأتي على أيديهم ، لكي نفتح به باب التغيير نحو غد أفضل … فالأسد ما يزال أكبر مصيبة وعقبة أمام الحضارة … وهزيمته مفتاح الحل ، لكن هذا الحل لا يحمله  معارضي الأسد بقيمهم ومفاهيمهم الحالية . فهم وإن كانوا خصما عنيدا له وأداة تقويضه ، لكنهم لا يحملون أي وعد حقيقي ومنظور واضح لمستقبل حضاري واعد ومقنع لشعوب المنطقة ، وهو ما يجب أن نطور الثورة لتصيغه وتتبناه … والذي لن يكون من دون انفتاح فكري على الجميع . فالمنطقة لن تكون ذات لون واحد ، والانتصار الحقيقي هو في ايجاد صيغ العيش الحضارية بين المتنوع والمختلف .. وهذا قدرنا عبر التاريخ . 
  10. 10- آخر ما أهتم به أو أتأثر فيه هو النقد غير الموضوعي والشتم ، بل إنني أشعر بقدر من اللذة عندما ألمس مقدار ما يحمله شاتمي من حقد وغل وكراهية تقض مضجعه ، عندها أكون قد نجحت في جعلته يدفع ثمن تخلفه ودوغمائيته، بممارسة حريتي علنا وأمامه وعلى رؤوس الأشهاد ، مع أن الجميع ينصح بالحرية السرية خوفا من هؤلاء،  وهو ما لم أقتنع به يوما ، ولا أنصح فيه أحدا ، كما لا أنصح أحدا بافتراض حقه في ممارسة أي سلطة استعبادية على الآخرين ، فالذي يحكم بين الناس المتعايشين على أرض هو القانون المعني بعدم الاعتداء المادي ، أما أن يتجاوز القانون ذلك للسيطرة والغاء الحرية فهو طغيان … حتى لو جاء باسم القضية أو المعتقد والدين. فلكل انسان الحق في الاعتقاد والتعبير … ولا ينقص من ذلك الحق أي اعتبار أو سلطة، وما يحاسب عليه القانون هو حقوق البشر، أما الدين والقيم والدوافع والنوايا فهي ما يحاسب عليه الله وحده يوم الدين . 

أخيرا : أضع هذه الوثيقة في سجل محاكم الارهاب والترهيب التي شكلها كل من النظام والمعارضة لمحاكمتي. وهم برأيي أحوج ما يكونوا للمثول أمامها بشخوصهم ومنطقهم وقضاتهم كمجرمين وقتلة لا دين لهم ولا عهد. يفترضون في أنفسهم الألوهة ليحاسبوا الناس على آرائهم وأفكارهم ومواقفهم . 

3 تعليقات

  1. كنت قد شجعتك بالدفاع عن موقفك بالصوت العالي كون بني قومي لا يفهمون الا بالقوة ولاكنك اثرة التريث واعترف لكم بصوابية تريثكم وبطول نفسكم مما اصابني بالغيرة منكم ولكنني اقنعت نفسي انها خبرة السنين
    فانا ما زلت شاب صغير 🙂

  2. محمد عدنان حسين

    عندما يكثر الباطل يصبح الحق خروج عن المألوف وعندما ننساق وراء عواطفنا ونبتعد عن استخدام العقل بمحاكمة كل ما يدور حولنا تمكن هؤلاء المجرمين القتلة الظالمون من حمكنا كالقطيع بشعارات عاطفية ظاهرها المقاومة والممانعة والقومية والعروبة وباطنها التنازل عن الاوطان وتسخير كل مكتسباتها لخدمة الطامعين المتحكمين للحفاظ على كرسي ولذلك تحول الوطن الى مزرعة يُباع الشعب ويُشترى .ومن هنا فان من يخرج عن المالوف ليفضح نفاق وخداع هؤلاء الظالمون المستبدون من اجل اخراج هذا الشعب من الاستعباد والذل والقهر ستوظف كل ادوات الحكم المستبد لمهاجمتة والتشهير به .

  3. محمد القدور

    لم اكن اكترث بالعمل السياسي لكل المعارضة.. لأنني أعتر أنهم أشخاص مملى عليهم وأنهم لم يرتقوا بعملهم السياسي
    حتى شاهدتك على شاشة التلفزيون… وقتها قلت هذا الشخص أخذ الخطوة الصحيحة
    وهذه اول مرة أعلق وأبدي اعجابي بأسلوب وطريقة تفكير أول رجل سياسة وطني يحب بلده ومخلص لشعبه
    بوركت.. ومن لم يفهم أو يتفهم ماذا تعني هذه الخطوة الجريئة والسابقة في العمل السياسي… فهو شخص تفكيره محدود وأفقه ضيق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *