متى تهزم الثورة السورية ؟

 

 

د.كمال اللبواني

الدكتور كمال اللبواني

الدكتور كمال اللبواني

لا يعقل أن نطلب من شعب ومقاتلين متطوعين منه أن ينتصروا عسكرياً على جيوش نظامية مدعومة من دول اقليمية وعظمى، فالنصر العسكري المطلوب للتعبير عن انتصار الثورة مطلب غير منصف، لأن النظام وحلفاؤه لم يتورعوا عن استخدام كل صنوف الأسلحة الثقيلة والمحرمة بهمجية ضد المدنيين، دمروا المدن وقتلوا مليون شخص وهجروا نصف السكان، وما تزال المعارك والمقاومة مستمرة ، في حين أن السلاح المتوفر للفصائل المقاتلة يعتبر هزيلا بالمقارنة … فمجرد استمرار المقاومة العسكرية بأي شكل كان، واستمرار الرفض والعصيان المدني، هو نصر لروح هذه الثورة ، وسقوط لإمكانية تجديد أو إعادة بناء هذا النظام الذي تحول لمجرد عصابات احتلال كأي محتل خارجي ، يعيش على تركيع وتجويع ما تبقى من الشعب وإجباره على خدمته والدفاع عنه ، بعد أن حطّمت الثورة آليات إعادة إنتاجه الاجتماعية والثقافية كنظام سياسي متفاعل مع بُناه التحتية.

لا يعقل أن شعباً عاش قرونا تحت سلطات الاحتلال ولم يختبر كيفية تشكيل الدول والمؤسسات ولا آلية وأهمية إنتاج السُلطات ولم يجرّب الدولة الوطنية أن يمتلك الوعي والخبرة الكافية لتنظيم صفوفه على عجل في ظروف معركته الشرسة مع مؤسسات أمنية وعسكرية ذات بنية حديثة، حافظت على ولائها للنظام بسبب طابع النظام القمعي والطائفي، وتلقيه لدعم ميليشيات وجيوش أجنبية منذ البداية، خاصة وأن النظام وعلى مدى عقود قد زرع كل أنواع الفتن والفرقة بين أفراد ومكونات المجتمع، بل نشر الجهل وعمم النفاق حتى صار الانسان يحمل في داخله ضده ، وزرع بذور الشك بين الناس ووّلد عندهم عُقد الجشع والتسلّط والانتهازية . وهذا ما انعكس جليا في مؤسسات المعارضة وعلاقاتها ببعضها والذي يعتبر أحد أهم الأسباب في هزالة أدائها إذا لم نقل خيانتها للثورة .

كما لا يتوقع من مجتمع أُجبر بالترغيب والترهيب على استمراء الفساد والعمل به طيلة عقود، من قبل نظام فاسد مُفسد دمّر كل قيم الكرامة والعزة والنزاهة وعمّم نظام الانتفاع والمحسوبيات والاستزلام والوساطة والرشوة والاختلاس ، وشوّه كامل المنظومة القيمية لدرجة صار الفساد نمط حياة وثقافة ، أن يمارس أفراد هذا الشعب فجأة ثقافة العفة والنزاهة ويصون المال العام وهو في ظروف من الفوضى والتسيب والفاقة ، وفي غياب مؤسسات مالية ورقابية منضبطة كان يفترض تقديم الدعم الخليجي السخي عبرها ، لكي لا يكون هذا الدعم عنصر افساد بحد ذاته.

الشعب السوري الذي عاش في لحظات الثورة الأولى ملحمة التضامن الجمعي، و فرح التحرر من الخوف والذل ، سرعان ما تسرّبت الخلافات والنزاعات إلى صفوف ثورته بسبب ثقافته التي زرعها النظام فيه ، وبمقدار الفراغ الذي توّلد عن طرد النظام، وبمقدار الحاجة لنظام بديل، فلم تعش المناطق المحررة نظماً سياسية وأمنية وثقافية واقتصادية مختلفة كثيراً ، لقد نما داخل المجتمع المتحرر من سلطة نظام قمعي مجرم فاسد أنظمة قمعية فاسدة ومجرمة كثيرة مشابهة له باسم الثورة والحرية والنزاعة والدين ، وبألوان وشخصيات متعددة ، حتى بدا أنه لا يوجد بديل عن ذلك النظام ، وأن سقوطه أشبه بانقسامه لعدد كبير من الأنظمة المستنسخة منه ، فالثقافة السياسية ومنظومة القيم التي زرعها في الشعب على مدى أجيال ما تزال تعمل وتنتج ذات النمط من النظم أينما كانت . لم تختلف مؤسسات وهيئات قيادة المعارضة عن مؤسسات وقيادات النظام … حتى أن المجتمع الدولي أصبح يتحدث عن طرفين متصارعين وليس عن ثورة شعب على نظام مجرم، كما أن الشعب ذاته لم يعد يميز كثيراً بين نمطي الحياة في ظل حكم كلاهما، بل صار يفضل الهجرة والرحيل عن وطنه ونفسه وثقافته ما استطاع.

بعد ثمان سنوات ما يزال الشعب السوري مرعوباً من فكرة تجديد النظام والعودة لما مضى بصوره وذكرياته البغيضة … كما لا يزال معظم الموجودين تحت مظلّته ينتظرون الخلاص من قبضته وشبيحته وبشاعته ، رغم تخوفهم من الانتقام ، ومعظم المتواجدين في المناطق الخارجة عن سيطرته أيضا يعانون بطرق شتى من سلطة الفصائل والميليشيات التي ما تزال تشبهه في معظم صفاتها وسلوكها . فحالة الرفض الشعبي للنظام والسلطات الأخرى القائمة على شاكلته تحت مسمى المعارضة ما تزال في أوجها ، وبالتالي ما تزال الثورة في توقدها ، ولن يؤثر عليها كثيراً تغير مواقع خطوط الجبهات وتوزع القوى المتقاتلة ، ولن تعتبر الثورة مهزومة طالما أن جيوش الاحتلال هي من هزمتها . تستطيع روسيا انزال عدد هائل من جنودها واحتلال كل شبر من سورية ، لكن هذا الاحتلال لا يمكن توصيفه إنتصاراً للنظام بل تعبيراً عن سقوطه ، ولا هزيمة للثورة بل تعزيزا لضرورتها من أجل التحرر الخارجي إضافة للداخلي.

يهزم الشعب السوري فقط في ثلاث حالات :
– في حال استمر على ثقافته القديمة وتثبت عندها، ولم يستطع تجاوزها لثقافة جديدة تبنى على النزاهة والعمل المؤسسي وسلطة القانون … هنا يهزم نفسه بنفسه ولا يحتاج لعدو يهزمه، فهو سيعيد انتاج نظامه السابق بطرق عديدة ولن يتغير شيء ( حالة هيئات المعارضة الحالية التي نصبتها أجهزة مخابرات الدول لو تسلمت السلطة أو شاركت بالحل السياسي الموعود ) .

– ويهزم الشعب السوري أيضاً إذا قرّر التوقف عن ثورته والخنوع والعودة لدائرة الصمت والخوف (حالة الموالاة وحالة من صالح وهادن مكرها ، أو حالة معارضة الداخل التي صُنعت حسب الطلب لشرعنة النظام).

– وفيما عدا ذلك فإن النظام لن ينتصر على الثورة إلا بإبادة وتهجير أغلب هذا الشعب، وهو ما باشر العمل عليه منذ عام 2012 وما يزال، ضمن سياسة (قتل وتدمير وتهجير) ممنهجة ، يعتمدها هو وحليفه الإيراني وشريكه في الهمجية الآلة الحربية الروسية، سياسة قد قضت حتى الآن على نصف هذا الشعب وتستمر بالقضاء على المتبقين جوعاً وحروباً وتهجيراً وتنكيلاً ، المشكلة هنا أن هذه السياسة تطبق تحت غطاء الحل السياسي وخفض التعصيد ، وبتدليس من الأمم المتحدة والمجتمع الدولي قاطبة.

أخيراً : إن النظام الذي ادّعى أنه هو سورية ، صدق نفسه وفعل كل شيء لجعل سورية تموت بموته .

فسورية الأسد (كشعار أُطلق في الثمانينات) كان يعني للمريدين أن الأسد قائد خالد لا يموت، ويعني للمعارضين أن الأسد هو آخر رئيس لسورية تموت بموته وأنه قد أقسم على قتلها، وهكذا عندما مات الأسد القائد الخالد استنسخت الموالاة على عجل أسداً آخر مكانه ليحفظ العهد ويخلّده، فما كان أمام الشعب السوري إلا إشعال الثورة ضدّه والمطالبة بإسقاطه كنظام، مما واجهته المولاة الطائفية بسياسة ( إما الأسد أو نحرق البلد )، ببساطة كان يمكن تجنّب كل تلك الجرائم باستقالة شخص، أو بممارسة بعض الضغوط الدولية عليه ليرحل، ومنعه من استخدام الجيش لسحق شعبه، لكن أيا من ذلك لم يحدث لأسباب لا يفهمها الشعب السوري إلا بوجود دوافع عنصرية وكراهية ضدّه وضدّ هويته، في غياب أي تبرير مقنع تقدمه الدول العظمى لسلوكها تجاه المأساة في سورية … اليوم بعض الدول الشقيقة والخانعين من السوريين يعملون على فكرة أن الحفاظ على ما تبقى من البلد يتم فقط بالقفز فوق فكرة تغيير نظام الأسد ومحاسبته . بينما أغلبية الشعب تدرك حقيقة أنه لا حياة لها في سورية ببقاء الأسد . فهي إما أن تقاتل أو تهاجر. وعندما تسد الدول باب الهجرات يصبح القتال خياراً وحيداً … ويصبح على الدول المتدخلة أن تختار في سورية بين وجود الشعب أو الأسد .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.