هل يمكن للحالة التقسيمية أن تعيش في الشرق الأوسط؟


د.كمال اللبواني

الدكتور كمال اللبواني
الدكتور كمال اللبواني

كل فرد في أيّ مجتمع إنساني يعيش حالة تنازع بين رغبة الانضمام ورغبة الانعزال عن الجماعة، فالانضمام لأيّ جماعة يلبي الكثير من الاحتياجات، لكنّه بذات الوقت يتطلب الكثير من الالتزامات، من هنا نشأت متلازمة الحق والواجب، الحرية والالتزام. 

الاجتماع السياسي يتيح تقديم خدمات كبيرة للفرد أو للمجموعات لا يمكن تحقيقها من دونه، وبمقدار تطور ونضوج دور الدولة، بمقدار تزايد هذه المنافع وارتقائها، لكن أيضاً بمقدار تزايد ما يتوجب على المواطن تقديمه، أو التنازل عنه بالمقابل، وعلى حساب دخله وحريته، وكلما كبر حجم وإمكانات الدولة، كلما زادت قدرتها على الانتعاش وتقديم الرفاه، لكن أيضاً تناقصت مساحة الحرية، فالحرية ضمن الدولة هي حرية مقيدة بالكثير من الإكراهات، والدولة الديموقراطية هي أداة ضبط وتنظيم، وليست دولة الحرية المطلقة، كما يظن ، فقط أنت حر في أن تعبر عن رأيك، لكنك لست حرّاً أبداً في دفع الضريبة، ولا في اتباع النظم المعقدة، وهنا تلعب المصالح الاقتصادية الجماعية دورها البارز في السياسة، كأداة جامعة، تعوّض عن نقص الحرية والفردانية، وضعف التمايز في الهوية التي تصبح أداة تفرقة يجب أن تتضاءل لصالح الانتماء للدولة (مواطن).  

في دول الشرق الأوسط تنشب الصراعات والحروب بين مكوناتها، بسبب نظمها المستبدة الفاسدة التي تنهبها وتفقرها، فتتحطم دولها واقتصادها، لتطفو النزعات الانقسامية، وتطغى أيديولوجيات الكراهية والحقد، ودعوات الانفصال، كل ذلك يحدث على نطاق واسع، بسبب غياب المنافع الاقتصادية الناجمة عن الاجتماع السياسي والوحدة، فهو اجتماع سياسي أشبه بالاجتماع داخل سجن، وليس مزرعة إنتاج، وهكذا كلما فشلت الدولة في القيام بوظيفتها الاقتصادية، أو تعرّضت للحصار والعقوبات بسبب سياساتها، وكلما ازداد فيها الفقر، كلما فقدت قدرتها على التماسك السياسي، ونمت بداخلها نزعات التقسيم القائمة على الهويات القومية والدينية والطائفية، المدعومة، أحياناً، برغبات دولية بتقاسم النفوذ عليها.  

هذا المناخ السائد، حالياً، في ثلاث دول في المنطقة، مناسب للتقسيم _العراق، سورية، لبنان_ لكونها دولاً فاشلة بامتياز، لأنها دول يلعب فيها العامل السياسي دوراً هداماً للمجتمعي والاقتصادي، فيبدو الحل التقسيمي حلاً وحيداً لصراعاتها التي أخذت هذا الشكل الأهلي (الهوية)، مع أنّها أساساً صراعات من أجل الاحتياجات الاقتصادية، ولكون الدول المهيمنة على العالم لا تريد فتح باب تغيير خريطة سايكس بيكو، رسمياً، لذلك تُغطَّى تلك النزعات التقسيمية بصيغة الفيدرالية داخل كل دولة، كحل وحيد لفشلها وصراعاتها، تلك النزعات التي لو دققنا في تفاصيلها لوجدناها في النهاية تتحدّث عن دول مستقلة كاملة السيادة، تحت مسمى الفيدرالية، لا يربطها بغيرها أي رابط حقيقي، فكل دعوات الفيدرالية هي في الواقع دعوات للتقسيم. 

العراق اليوم منقسم، انفصلت عنه كوردستان العراق، سورية تبدو مقسمة لمناطق نفوذ محروسة بجيوش احتلال، لبنان قسّم سابقاً وسيعود للتقسيم، مع تصاعد أزمته الاقتصادية، بسبب الحصار الذي تتسبب به سياسة حزب الله، وعودة لبنان الكبير لميني لبنان مسيحي منعزل، هو أمر منجز ووشيك الإعلان، كما أنّ انفصال ثلاث دول عن سورية أصبح منجزاً، أيضاً، (دولة قسد الأمريكية، دولة الإخوان التركية، دولة العلويين الروسية)، بينما تبقى مساحات واسعة من لبنان وسورية والعراق ساحة صراع وتنازع عربي إيراني، قد يطول قبل أن يحسم بسقوط نظم الدول التي تدير هذا الصراع في عموم المنطقة، كإيران والسعودية وغيرها، ولن تتدخل إسرائيل ولا أمريكا أو روسيا في وقف الصراع العربي الفارسي، الذي صمم لينهي الطرفين بعضهم البعض، خاصة إذا ضمنت إسرائيل أمن حدودها بفرض منطقة عازلة في جنوب سورية، بعمل عسكري استعراضي.

لا يبدو لي في التاريخ القريب أي سيناريو آخر ممكن التطبيق، بالنظر لوهن الدول وعدم رغبتها في دفع تكلفة أي مشروع بناء في المنطقة، وبالنظر لغياب أرضية التفاهم بين الشعوب والمكونات، بعد كل ماجرى من دمار، وما ارتكب من جرائم، والأهم من ذلك، بسبب حالة الاهتراء التي أصابتها، لدرجة يصعب بها إصلاحها أو ترميمها. لكن التكلفة الباهظة لاستمرار هذه الحرب الأهلية الشاملة للمنطقة، هي التي ستدمر دولاً عديدة، ومجتمعات عديدة، وتتسبب بنزوح وهجرات كبيرة، لتصبح هي العامل المضاد لها من داخلها، والدافع نحو تجاوز أسباب الحرب والصراع، كضرورة لاستمرار القدرة على العيش. في الطبيعة هناك توازنات ديناميكية بحيث يلعب ذات العامل دوراً في ظرف، ويلعب دوراً مضاداً عندما يتفاقم هذا الظرف، والمجتمع، ككل، ظاهرة حية تنطبق عليه قوانين الديالكتيك الحركية، وهكذا ستكون الحاجة الاقتصادية هي رافعة الوحدة التي ستلغي الفروقات والتباينات وتقفز فوق الحدود التقسيمية، بسبب الحاجة الماسة للتعاون والتشارك الذي تفرضه وحدة الجغرافيا وتكاملها، ومتطلبات المنافسة العالمية، التي لا تتيح مكاناً للصغير والضعيف، فالحاجة الماسة لسوق قومية كبيرة موحدة لتلبية متطلبات التنمية والمنافسة العالمية، ولجم التبادل اللامتكافئ مع الخارج، ستكون العامل الحاسم الذي يفتح المعابر للسلع والعمال ثم يوحد الاقتصاد والأشكال السياسية، حيث تعود الهوية كانتماء ثانوي بالمقارنة مع المصلحة، التي هي المحدد الأهم والأساس في قيام الدول، في الزمن الرأسمالي الحديث.

كل الطرق ستنتهي بدولة اتحادية إقليمية شرق أوسطية موحدة، إن سارت عبر مسار الحفاظ على خريطة سايكس بيكو، أو عبر مسار تقسيمي ضمنها، فهي الحالة الطبيعية للمنطقة، التي تتناسب مع تكاملها الجغرافي ومع تاريخيها الطويل، بالتعايش المشترك بين القوميات والديانات. الفارق أن نسير مع التاريخ أو بعكسه، وهو بطول الطريق ووعورته، وليس بالنتيجة التي ستفرضها طبيعة العصر وطبيعة المنطقة ومتطلبات العيش والتقدم والرفاه. 

الاستقراء الجيوسياسي لمستقبل المنطقة يحتّم الوصول لهذه النتيجة، لكن متاجري الأيديولوجيات الراهنة (القومية والطائفية) والمتعيشين عليها، لا يريدون فتح عقولهم، بسبب تناقض مصالحهم الخاصة مع المصالح العامة لشعوب المنطقة، وسرعان ما يتم إنجاز أي واقع تقسيمي، سرعان ما سينتقل الصراع لداخل كل كيان، لإسقاط تلك الأيديولوجيات والنظم التي تريد العيش على حساب التقدم والازدهار، وتتاجر بالنزعات الضيقة التي تتضاءل وتنمحي في هذا العصر المتّجه للعولمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.