يثب

فتح والنظام السوري ( شراكة المفلسين )

د. كمال اللبواني

الدكتور كمال اللبواني

الدكتور كمال اللبواني

عادة يستمر العداء طالما احتفظ كلا العدوين أو أحدهما بقوته ، لكن عند انهيار قوة الطرفين يميل الأعداء السابقون للتعاون بطريقة عجيبة و ملفتة للنظر … فالضعف المشترك يولد نوعا من الوحدة والشراكة وسببا لتجاوز الخلافات ينتج عن الخوف المشترك من المستقبل .

لم تكن يوما علاقة فتح بالنظام السوري أحسن مما هي عليه اليوم، فمنذ تسلم حافظ أسد للسلطة عام 1970 دأب على موقفه العدائي من فتح ، الذي بدأ منذ تأسيس المقاومة الفلسطينية المسلحة عام 1967 ومنذ تأسيس العاصفة التي تلقت دعما من مجموعة صلاح جديد الذي كان يؤمن بالمقاومة الشعبية وليس بالجيوش النظامية … وشكل في سوريا الحرس القومي ( الجيش الشعبي ) والصاعقة ، في حين كان حافظ يريد جيوشا نظامية سورية وفلسطينية ( الجيش العربي السوري ، وجيش التحرير الفلسطيني ) ، وقد انتهى الصراع في قيادة العاصفة عام 1968 بمقتل النقيب يوسف عرابي المحسوب على وزير الدفاع حافظ أسد عندما شهر سلاحه في وجه ياسر عرفات ، على يد عبد المجيد زغموت المحسوب على صلاح جديد في اجتماع عاصف لقادة العاصفة الذين دخلوا السجن ومنهم ياسر عرفات شخصيا ، يومها طلب مصطفى طلاس رئيس المحكمة العسكرية الخاصة من زغموت أن يشهد بأن عرفات هو من أمره باطلاق النار … وعندما رفض بقي أبو نمر عبد المجيد زغموت في السجن حتى عام 2003 حيث مات فيه .

بعدها غادرت قيادة فتح للأردن … فتجدد موقف حافظ العدائي من فتح في أيلول الأسود حيث رفض تقديم الدعم العسكري لفتح والمنظمات الفلسطينية في الأردن عام 1970 رغم قرار القيادة القطرية يومها بدخول الجيش السوري لحماية الثورة الفلسطينية ، ثم بعدها مباشرة أزاح حافظ أسد صلاح جديد والقيادة القطرية من السلطة للسجن ثم للقبر بدعم غربي واضح ، وبعد أن وطد حكمه سارع لدخول لبنان ومحاربة الفلسطينيين هناك بجيشه النظامي وقواته الخاصة وسراياه ، وعلى رأسهم فتح وعرفات عام 1976 ، ويومها قام الجيش السوري بسحق المخيمات التي أشهرها مخيم تل الزعتر بقيادة علي زيود المسئول المباشر عن هذه المجزرة وعن ازالة المخيم وتجريفه ، وتوالت المعارك على الساحة اللبنانية من بعلبك حتى صيدا وصور وبيروت وصولا لطرابلس عام 1983 حيث أخرج الجيش السوري عرفات من طرابلس بعد معارك طاحنة هناك …

في النتيجة قوض النظام السوري حركة فتح ومزقها ونفاها إلى تونس بالتعاون مع المليشيات الشيعية والمسيحية والجيش الاسرائيلي الذي دخل بيروت للمساعدة على ذلك في اجتياح عام 1982 .. ثم بعد ما فعله الأسد بفتح ، وقف حافظ أسد ضدها أيضا عندما فاوضت وحاولت اقامة سلطة فلسطينية في الضفة وغزة ، واستمر في عزلها ، ودعم كل الانقسامات الممكنة التي تضعفها ( فتح الانتفاضة ، والشعبية ، والعامة ، والديمقراطية ، والصاعقة ووو …. ) ودعم انقسام حماس عنها بكل قوة ، وبقيت المخيمات الفلسطينية في سوريا تخضع لسياسة قمعية مشددة خاصة ضد كوارد وجماهير فتح . وبقي الكثير من قادتها في السجون لعقود ، كما أعدم وصفى خيرة الشباب الفلسطيني على يد قوات النظام ومخابراته العسكرية وعملائه من المنظمات الفلسطينية اليسارية في سوريا ولبنان وغيرها … وهكذا وصولا بالزمن لوقت اندلاع الثورة السورية حيث اكتظ المخيم الفلسطيني بالهاربين من مناطق الاشتباكات القريبة ، لكن النظام أطلق حملته العسكرية الأمنية على مخيم فلسطين واليرموك مستخدما الطيران والمدفعية مما أفرغ المخيم بيوم وليلة كما أفرغ غيره من المدن السورية … ومنذ ذلك الوقت حرص النظام السوري على جعل المخيمات الفلسطينية وطنا للأشباح والجثث ، وليس آخرا أدخل اليها داعش لتعيث بها المزيد من الخراب وليبرر تدميره المنهجي للمخيم بالصواريخ والبراميل …

ومع ذلك كله يوجد اليوم جناح من قادة فتح ومن قيادة مخابرات السلطة يقومون بعملية مصالحة وتحالف مع النظام السوري ، ضاربين عرض الحائط بهذا التاريخ الطويل من العداء وانعدام الثقة ، بل أيضا بمشاعر الشعب السوري الذي أصبح حساسا جدا لأي موقف يقفز فوق شهدائهم ومهجريهم … حيث يقوم الجناح القيادي الفلسطيني المذكور هذه الأيام بهذه الفعلة المستغربة والالتفافة المفاجأة ، بناء على نصيحة روسية قدمها لهم نظام بوتين الذي تربطهم به علاقة حميمة ، متخيلين أنه استمرار للنظام السوفييتي الذي يسكر من خمر الماركسية اللينينية ، وينسون أن بوتين سائق التكسي قد جاء للسلطة ليس بشعبيته ومهارته بل بالمافيات التي تشرب الخمر اليهودي المعتق ، وأن علاقات روسيا باسرائيل هي أكثر راحة لاسرائيل من علاقات اسرائيل بأمريكا … فبوتن الديكتاتور يستطيع فعل كل ما يطلب منه بعكس قادة الدول الديمقراطية الذين يخضعون للمؤسسات . وهكذا قدمت روسيا نصيحتها المسمومة للسلطة الفلسطينية ، بعد أن دست فيها اسرائيل السم ، ودفعتهم للتقارب مع النظام على أساس أنه باق بقرار ورعاية دولية تريد اعادة تأهيله ، وأن ثورة الشعب السوري ستحارب كتطرف وارهاب ، وأن الشعب السوري سيعود صاغرا لعرين الأسد ، فما على السلطة تبعا لتلك الخديعة ( النصيحة ) سوى استباق الزمن واللحاق بقطار المصالحة مع النظام قبل أن يفوتها ، فتزايدت الوفود واللقاءات … ولم نستطع لجم هذا التحول بعد عدة محاولات ونصائح ، والذي ترجم أخيرا بعودة العلاقات بين فتح والنظام والتي بقيت مقطوعة 33 عاما . مع أن النظام لم يقدم مقابل ذلك أي شيء ، بل أمعن في اعتقال وقتل وتهجير الشعب الفلسطيني ، وتجنيد شبابه للحرب على أهل دمشق وحمص وحلب …

كنا نعتب على حماس لأنها ما تزال ترتبط بالنظام بناء على نصيحة ايرانية ، بينما بقية المنظمات الفلسطينية تقاتل فعليا الشعب السوري إلى جانب شبيحة الأسد ، وجندت ما لا يقل عن 5000 مقاتل يقاتلون إلى جانب ميليشيات طائفية ايرانية ، ضد العرب السنة من سكان سوريا ، ويساهمون في قتلهم وتهجيرهم واستبدالهم بشيعة وافدين … فأصبحنا نعتب على حماس وفتح معا، بل و مجمل قيادات الشعب الفلسطيني التي تساعد على احتلال سوريا من قبل ايران وتهجير أهلها بشكل يفوق ما فعلته اسرائيل بالشعب الفلسطيني … فحرب الابادة والتدمير المنهجي والتهجير النهائي وكل جرائم الحرب التي تجري في سوريا تشترك فيها المنظمات الفلسطينية والسلطة وجيش التحرير فعلا ورمزا … كما تشترك فيها المنظمات العراقية و اللبنانية، وجيش أبو الزلف اللبناني الذي لم يحارب في حياته سوى الفلسطيني والسوري …

نحن نشعر بالمرارة الشديدة من هذه المواقف العربية ، لأننا نعلم أن هكذا أنظمة مجرمة كنظام الأسد يستحيل عليها البقاء مهما حصلت على دعم خارجي ، بعد ما فعلته بشعبها ، إلا إذا أبادته عن بكرة أبيه . و نعلم أن الخطر بات يحيق أيضا بكل الأنظمة في المنطقة والتي تتعاضد معا في وجه شعوبها ، التي تغلي غيظا .

لقد سبق وخسرت القضية الفلسطينية تعاطف الشعب الأردني 1970، ثم الشعب اللبناني 1976، وبعده الكويتي 1991، والعراقي 2003، واليوم تدفع مجانا لخسارة تعاطف الشعب السوري الذي دفع نصف مليون شهيد في حربه مع النظام النصيري والغزو الاستيطاني الصفوي … ويأتي الأخ عباس ذكي ليتحدث عن ارهابيين يقاتلون النظام الشرعي المقاوم في دمشق و الذي يدافع عن (شعبه ودولته وعروبته والقضية القومية !)… ونسي أنه في يوم ما كان هو يوصف بالمخرب والارهابي عندما حمل السلاح في مخيمات اللجوء … ويتحدث عن تحرير المخيمات الفلسطينية على يد الجيش العربي السوري ، ويتناسى كيف حرر ذات الجيش العربي مخيم تل الزعتر وبرج البراجنة والمية ومية … والبداوي والبارد … ويتحدث عن وجود مقاتلين أجانب ( أغلبهم من ضحايا التمييز والاضطهاد ) فوق الساحة السورية لكي يلغي شرعية قضية الشعب السوري … و يتعمد تناسي دور الجيش الأحمر والارلندي والألماني والحركات اليسارية في العالم مع الثورة الفلسطينية .و يتعمد تناسي مقاتلي حزب الله والعباس والباسيج وحثالة ايران وأفغانستان … الذين لم يقف في وجههم الا الحركات الجهادية السنية التي يلوم الشعب السوري على تأييدها .

أخطر ما في القضية أن اسرائيل تريد احياء مبادرة السلام العربية بالاتفاق مع السعودية على وقع العداء مع ايران ، و تحاول أن تقفز للسلام مع الدول العربية من دون المرور بالسلام مع الفلسطينيين ، الذين يزدادون قربا من المحور الإيراني الروسي المعادي وجوديا للعرب السنة ، وأن الشعوب العربية قد أصبحت جاهزة للقفز أيضا فوق القضية الفلسطينية بعد مواقف السلطة التي تتجاهل تلك الشعوب لتخطب ود النظم المستبدة البائدة ، التي تطايرت بفعل الربيع وستتطاير بقيتها بفعل الحركات الجهادية التي انبثقت عن خذلان ذلك الربيع ، و بذلك تخسر فتح قضيتها بعد أن خسرت أهلها ومحيطها ، وضيعت البوصلة في خضم معركة كونية تدور رحاها في الشرق الأوسط ، حيث أصبحت قضية فلسطين هي القضية الأصغر والأبسط بين قضاياه . فلم تعد لا القضية المركزية ولا القضية الأهم في المنطقة وبنظر شعوبها ، بعد مأساة العراق وتراجيديا سوريا وليبيا واليمن ، ومصر التي انتقل الصراع العنيف لداخلها بين استبداد عسكري واستبداد ديني … فإذا دخل أخوة البلد الواحد في صراع ابادة وتهجير كم سيبقى من الروابط الوطنية والقومية التي يعول عليها … والتي ينام على رحيقها الأخوة الفلسطينيون . فالشراكة الوحيدة التي تبقى في هكذا ظرف هي شراكة الدم والرغيف .

وما أخشاه وبسبب مواقف بعض القادة الفلسطينين أن الشعب الفلسطيني لن يتمكن من العودة للقدس وفلسطين فقط ، بل أيضا لن يتمكن من العودة لدمشق وحمص وحندرات بسبب موقفهم المؤيد للنظام المسؤول عن مذبحة الشعب السوري ، وشراكتهم معه في هذه المجزرة ، وهم بذلك يخسرون بشكل نهائي أخوة الشعب السوري … وبخسارتهم لتعاطف الشعب السوري مع قضيتهم ، يكونوا قد خسروا آخر حليف طبيعي لهم في المنطقة ، واستكملون عزلتهم عن حاضنتهم خدمة لبقاء اسرائيل كدولة وحيدة على كامل أرض فلسطين، تقيم علاقات صداقة وتعاون مع كل جيرانها الذين تنكر لهم الفلسطينيون ،فتنكروا هم أيضا لقضية فلسطين ، والذين خسرهم أخوتهم بسبب حساباتهم السياسية الخاطئة ، تحت راية البراغماتية اللا أخلاقية المضللة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.