تجاذب روسي ـ غربي على إعمار سوريا… وكسب «معركة السلام»

ملف إعمار سوريا على الطاولة الدولية والإقليمية… ربما قبل الأوان، لكنه بات ملفاً رئيسياً في الجلسات المغلقة. روسيا تريد من دول غربية وعربية المساهمة في الإعمار… دول أوروبية تربط المساهمة بحصول «انتقال سياسي»… واشنطن تطلب «عملية سياسية» وقد تكون ورقة الضغط الأخيرة لديها هي «قوات سوريا الديمقراطية» الكردية – العربية. أما دمشق، فإنها «تراهن على نفسها أولاً؛ والحلفاء، خصوصاً في موسكو وطهران».

بحسب دراسة للبنك الدولي انتهت قبل أسابيع، قُتل في سوريا أكثر من 400 ألف شخص، واضطر أكثر من نصف السكان، من أصل 23 مليونا، إلى مغادرة منازلهم في أكبر أزمة للاجئين منذ الحرب العالمية الثانية. ورأت الدراسة أن الحرب في سوريا «مزّقت النسيج الاجتماعي والاقتصادي للبلاد. عدد الضحايا مدمر، لكن الحرب تدمر أيضاً المؤسسات والنظم التي تحتاجها المجتمعات كي تقوم بوظائفها، ويشكل إصلاحها تحدياً أكبر من إعادة بناء البنية التحتية، وهو تحد ينمو ويتعاظم مع استمرار الحرب».

الصراع السوري، بحسب الدراسة، أصاب بالضرر أو دمّر نحو ثلث المساكن ونحو نصف المنشآت الطبية والتعليمية، ونحو 538 ألف وظيفة تعرضت للتعطيل سنويا خلال السنوات الأربع الأولى من الصراع، والشباب الذين يواجهون نسبة بطالة تبلغ 78 في المائة لديهم «خيارات قليلة للبقاء». وأدى الاستهداف المحدّد للمنشآت الطبية إلى تعطيل النظام الصحي «بشكل كبير، مع عودة الأمراض المعدية، كشلل الأطفال، إلى الانتشار». ويُقدّر أن عدد السوريين الذين يموتون بسبب عدم القدرة على الحصول على الرعاية الصحية «أكبر من عدد المتوفين في نتيجة مباشرة للقتال».

رأس المال البشري

كما تعطل النظام التعليمي بسبب الأضرار التي لحقت بالمنشآت التعليمية واستخدام المدارس منشآتٍ عسكرية، إضافة إلى أن نقص الوقود أدى إلى خفض إمدادات الكهرباء للمدن الرئيسية مما أثر في الخدمات الأساسية. وأفاد البنك الدولي بأن «وجود 9 ملايين سوري عاطلين عن العمل ستكون له عواقب طويلة الأجل بعد توقف المعارك. كما أن من شأن رحيل ما يقرب من 5 ملايين لاجئ، إضافة إلى عدم كفاية التعليم وسوء التغذية، أن يؤدي إلى تدهور طويل الأجل في الأصول الأكثر قيمة للبلاد، وهي الرأسمال البشري. وفي المستقبل، عندما تشتد حاجة سوريا إليها، سيكون هناك نقص جماعي في المهارات الحيوية».

ومن خلال مقارنة بين الأوضاع الراهنة وتوقع تطور الوضع في سوريا في غياب الصراع، بحسب التقرير، فقد تبيّن أن الحرب تسببت في خسارة في إجمالي الناتج المحلي بما قيمته 226 مليار دولار أميركي أو 4 أضعاف الإجمالي عام 2010. وكان خبراء سوريون ودوليون قدروا في دراسة لصالح «اسكوا» تكلفة الدمار بـ327 مليار دولار.

وفي حال انتهت الحرب اليوم، يقول هارون أوندر، الخبير الاقتصادي الأول في البنك الدولي، سيستعيد الاقتصاد السوري على مدى السنوات الأربع التالية 41 في المائة من الفجوة مقارنة مع مستواه قبل الصراع، وستبلغ الخسائر الناجمة عن الصراع 7.6 ضعف إجمالي الناتج المحلي قبل نشوب الصراع على مدى عقدين من الزمن. لكن إذا استمرت الحرب إلى السنة العاشرة، فإن الخسائر الإجمالية ستصل إلى 13 ضعفاً؛ إجمالي الناتج المحلي عام 2010 على مدار عقدين.

استعجال روسي

قلب التدخل العسكري الروسي المباشر من المعادلات في سوريا. ويقول مسؤولون روس إن النظام «كان سيسقط خلال شهرين» لو لم يتدخل الجيش الروسي في نهاية سبتمبر (أيلول) 2015، وبعد سنتين من التدخل العسكري ساعدت روسيا وميليشيات إيران قوات النظام في توسيع مناطق سيطرتها من 10 إلى نحو 45 في المائة من مساحة البلاد البالغة 185 ألف كيلومتر مربع، في وقت تسيطر فيه «قوات سوريا الديمقراطية» الكردية – العربية على ربع المساحة، مقابل تقاسم «داعش» وفصائل المعارضة الربع الباقي من سوريا.

وبدأ في الأسابيع الأخيرة سباق بين «قوات سوريا الديمقراطية» بغطاء أميركي من جهة؛ وقوات النظام بدعم روسي من جهة ثانية، على حقول النفط والغاز شرق البلاد. ويعتقد مسؤولون غربيون أن السيطرة على النفط والغاز ستكون ورقة تفاوضية رئيسية لدى الحديث عن مستقبل سوريا. ويوضح خبير سوري أن الأطراف المتصارعة تنتج حالياً نحو 60 ألف برميل من النفط يومياً من أصل 380 ألفاً، لافتاً إلى أن إعادة الإنتاج إلى وضعه السابق تتطلب استثمارات بقيمة 12 مليار دولار أميركي.

ويشير خبير إلى دعم رجال أعمال روس مرتزقة للسيطرة على ثروات سوريا الرئيسية في وسط البلاد وشرقها بما ذلك النفط والغاز والفوسفات، وأن ذلك أدى إلى صدام مع موالين لدمشق في مناسبات عدة.

لكن اللافت هو مدى إلحاح موسكو على دفع دول أوروبية وعربية للمساهمة في إعادة الإعمار، ذلك أن وزير الخارجية سيرغي لافروف يضع هذا الملف على طاولة محادثات مع نظرائه؛ إذ يقول الروس لنظرائهم العرب والغربيين: «إذا أردتم مواجهة نفوذ إيران في سوريا، فإن ذلك يمكن عبر الإعمار والسلام وليس السلاح».

وكانت اتفاقات «خفض التصعيد» التي توصلت إليها روسيا بالتعاون مع دول إقليمية وأميركا في جنوب غربي سوريا وغوطة دمشق وريفي حمص وإدلب، نموذجا طرحته موسكو لدفع دول أخرى للتعاون عبر خفض الاقتتال أو تجميده بين قوات النظام والمعارضة مقابل التركيز على قتال «داعش»، إضافة إلى سلسلة من الإجراءات تمهيداً لإعادة الإعمار.

ونصت اتفاقات «خفض التصعيد» على تشكيل مجالس محلية وإيصال مساعدات إنسانية واحتفاظ المعارضة بسلاحها الثقيل والخفيف ووقف القصف ورفع الحصار وبدء إعادة الإعمار مع نشر مراقبين عسكريين روس أو أتراك وإيرانيين شمال البلاد، في حين كانت اتفاقات «المصالحات» التي فرضتها دمشق أو طهران تنص على تهجير مدنيين وأسر معارضين وتؤدي إلى تدمير البنى التحتية والمجالس المحلية المعارضة.

وكان بين أولويات روسيا في معظم اتفاقات «خفض التصعيد» إعادة تشغيل الطرق الرئيسية بين المدن والبحث في فتح البوابات الحدودية مع الجوار لبدء تشغيل شرايين العلاقات التجارية والاقتصادية بوصفها حافزاً للدول الإقليمية والمجتمعات المحلية.

وإذ تحدث لافروف في مناسبات عدة عن ضرورة «عدم تسييس إعادة الإعمار»؛ بل التركيز على «إعمار سوريا، ورفع العقوبات الغربية عنها، وإجراء عملية تطوير سياسية»، اقترح جلوس وفد الحكومة مع الدول الغربية على الطاولة ذاتها لبحث أمور إنسانية واقتصادية.

مقاربة غربية

كان الاتحاد الأوروبي صاغ في ربيع العام الحالي استراتيجية نصت على ربط المساهمة في الإعمار بـ«حصول انتقال سياسي ذي صدقية»، ذلك أن «الأوروبيين أبلغوا الروس: «معظم الدول الأوروبية تعتقد أن حصول حل سياسي جدي سيؤدي إلى معالجة ملفات الإرهاب والهجرة والاستقرار في سوريا والشرق الأوسط، لذلك من مصلحة الدول الأوروبية حصول حل سياسي في سوريا. أما إذا رفضت روسيا ذلك، فإن الاتحاد الأوروبي سيقول: You break it، you own it، أي سيترك سوريا المدمرة لتكون عبئا على روسيا».

ونجح أوروبيون في إقناع وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون بعقد اجتماع للدول الغربية والإقليمية المؤيدة للمعارضة على هامش اجتماعات الجمعية العامة في نيويورك خلص إلى إعلان مبادئ سياسية خاصة بالأزمة السورية، شملت ربط هزيمة «داعش» من جهة؛ وإعمار سوريا من جهة أخرى، بـ«حل سياسي ذي صدقية».

دول أوروبية تقول إن موقفها بربط المساهمة في الإعمار بالحل السياسي «ليس شرطا مسبقاً» بل هو «حافز» لدى موسكو كي تدفع لإنجاز حل سياسي جوهري مقابل مساهمة أوروبا بالإعمار الذي تقدر تكلفته بنحو 250 مليار دولار أميركي. ويقول مصدر أوروبي: «لسنا جاهزين للمساهمة في الإعمار، بأي ثمن. لا بد من تسوية سياسية». ويضيف: «لن يساهم الأوروبيون في إعطاء شرعية للنظام مجاناً. قد يبقى النظام بصفته أمرا واقعا، لكن الشرعية السياسية تتطلب خطوات سياسية».

ويتوقع حصول مواجهة دبلوماسية غربية – روسية نهاية العام لدى بحث تمديد القرار «2165» الذي نص على إيصال المساعدات الإنسانية عبر الحدود (الأردن وتركيا) إلى مناطق المعارضة. وتقترح موسكو أن يكون ذلك عبر دمشق. ويقول غربيون إن «اتفاقات خفض التصعيد هي أول اختبار لروسيا ومدى التزامها». وهدد بعض الدول بوقف المساعدات في حال سعت موسكو إلى تحويل مناطق «خفض التصعيد» الأربع إلى مناطق «مصالحات» التي فرضتها دمشق على مناطق المعارضة سابقاً.

وبحسب تقديرات «بروكسل»، دفع الاتحاد الأوروبي 12 مليار دولار أميركي مساعدات إنسانية إلى سوريا منذ 2011. ودفعت أميركا 7.4 مليار دولار. وأسفر كل مؤتمر للمانحين في لندن العام الماضي وفي بروكسل بداية العام الحالي عن رصد نحو 12 مليار دولار لم ينفذ من كل منهما سوى نحو 30 في المائة من التعهدات.

وتركز واشنطن على دعم خطة لـ«استقرار دائم» في المناطق التي تحررها بالتعاون مع حلفائها شرق سوريا من «داعش». وجرت محاولات لتوفير تمويل كاف من التحالف الدولي أو دول حليفة لإعمار عين العرب (كوباني) أو الرقة، لكن لم يحصل تطور ملموس كبير إلى الآن.

دمشق غير معنية

يروي دبلوماسي أوروبي في بيروت أن مسؤولاً في الخارجية السورية أبدى قبل سنة عدم اكتراث بملف إعادة الإعمار، بل إنه أشار إلى أن «الدول الغربية يجب أن تعمّر ما دمرته». وهو كان يرى أن إعادة الإعمار «حافز» بأيدي دمشق مقابل الأوروبيين وليس العكس.

لكن مسؤولين غربيين بدأوا يلحظون في الفترة الأخيرة تغييراً في خطاب دمشق وموسكو. ويعتقدون أن «روسيا باتت معنية أكثر بدور أوروبي في إعمار سوريا، لأنه ليست لديها إمكانية، وليست هناك موارد كافية لدى الحكومة السورية لتمويل الإعمار، ذلك أن موازنة العام هي فقط 10 في المائة من موازنة سنوات قبل الحرب».

وقد بدأت دمشق مسيرة إعادة الإعمار بحسب أولوياتها؛ إذ تحدث مسؤولون سوريون لأول مرة عن أن تكلفة الحرب تجاوزت 80 مليار دولار، وجرى تشكيل لجنة للإعمار، ونظمت معارض، وأعيد إمداد الكهرباء في حلب ودمشق، وساهم «البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة» في إعمار أحياء في حمص. وكان هذا بنداً رئيسياً على جدول أعمال اللجنة الروسية – السورية المشتركة التي عقدت في سوتشي قبل أيام.

كما أن إيران سعت إلى حجز حصتها في الاتفاقات سواء عبر تشغيل محطات للكهرباء أو موارد رئيسية مثل الفوسفات والهاتف الجوال، تعويضاً عن مساهمتها المالية والعسكرية في القتال إلى جانب قوات النظام، ذلك أنها قدمت أكثر من 6 مليارات من خطوط الائتمان لدعم الاقتصاد. ويجري حديث عن صراع خفي في مناطق النظام بين حلفاء موسكو وطهران. وقال دبلوماسي: «الصراع الروسي – الإيراني على اقتسام مناطق النظام من مميزات السنوات المقبلة، لأن كل دولة من الدولتين ترى أنها وراء عدم هزيمة النظام».

خبير سوري مطلع على آلية عمل مؤسسات الحكومة يحذر من غياب القدرة الإدارية على صرف أموال إعمار سوريا في حال توفرت، لافتاً إلى أن الطاقة الإدارية والبنية التحتية لا تستطيع صرف أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً في أحسن الأحوال. وقال: «رهان دمشق على الإمكانات الذاتية والحلفاء في روسيا وإيران والصين وفنزويلا في السنتين الأوليين، ثم سيهرول الغربيون للمساهمة كي لا يفوتهم القطار».

الشرق الأوسط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.