سوريا: مرسوم لتسوية الديون المتعثرة يستثني أزلام النظام

وصف مختصون إصدار الرئيس السوري أحمد الشرع مرسوماً لتسوية الديون المصرفية المتعثرة، بأنها خطوة ضرورية ومحورية في اتجاه استعادة الثقة بالنظام المصرفي، وخصوصا أنها تهدف لاستعادة كتلة نقدية تقدر بـ440 مليون دولار تم إقراضها في عهد النظام السابق وجميعها قبل بداية الثورة عام 2011.
واعتبرت مصادر «القدس العربي» أن تنفيذ المرسوم سيمكن المتعثرين من استئناف أنشطتهم وأعمالهم، ما يسهم في تحريك العجلة الاقتصادية ورفع الحجز عنهم وعن أسرهم، بينما رأى آخرون أن المرسوم يمثل مخالفة للإعلان الدستوري الذي لم يعطِ الرئيس صلاحية إصدار مراسيم تحمل صفة تشريعية.
وأصدر الشرع المرسوم رقم 70 لتسوية القروض والتسهيلات الائتمانية المتعثرة الممنوحة من المصارف العامة، وقسمها إلى فئتين، الأولى إن كانت تحت 100 مليون ليرة، والثانية إن كانت أكثر، على أن يعفى المدين في الفئة الأولى من كامل الفوائد التأخيرية والغرامات والفوائد العقدية في حال تسديد كامل رصيد الدين خلال ثلاثة أشهر من تاريخ نفاذ المرسوم، وألا يعفى من الفوائد العقدية في حال التسديد خلال ستة أشهر. وبالنسبة للديون التي تزيد عن 100 مليون ليرة، يعفى المدين من 50٪ من الفوائد العقدية والتأخيرية والغرامات في حال التسديد خلال ثلاثة أشهر، ويعفى من 30٪ في حال التسديد خلال ستة أشهر، مع إمكانية التسديد بالدولار الأمريكي.
ونشرت وزارة المالية، عبر صفحتها على «تليغرام»، توضيحات عن المرسوم، وقالت إن إجمالي القروض المتعثرة لدى المصارف العامة يتجاوز نحو 440 مليون دولار تعود إلى حوالي 218 ألف متعامل من شرائح ومهن متعددة، موضحة أن العدد الأكبر من المتعثرين هم من ذوي الدخل المحدود، أو من أصحاب الورش والمنشآت الصغيرة والمتوسطة التي دمرت أو صودرت خلال سنوات الثورة، وأن تاريخ بعض الديون المتعثرة يعود إلى أكثر من ثلاثة أو أربعة عقود، وأصول بعض العقود مفقودة، وأن أكثر من 60٪ من هذه القروض يرتبط بمقترضين توقف نشاطهم أو فقدوا أصولهم خلال سنوات الثورة، في حين تتوزع البقية بين متعثرين جزئيا أو ديون قيد الملاحقة القضائية.
وأكدت المالية أن المرسوم يغطي فقط الديون المتعثرة لدى المصارف العامة المملوكة للدولة، ولا يشمل المصارف الخاصة، وأنه لن يستفيد من المرسوم أعوان وأزلام النظام البائد، كما لن يستفيد من المرسوم الأشخاص الذين لديهم قضايا فساد جاري التحقق منها لدى الجهات الرقابية والقضائية، مؤكدة أنه ليس هناك ارتباط بين معالجة الديون المتعثرة والتسويات المالية القائمة لدى لجنة الكسب غير المشروع.

الأكاديمي والباحث الاقتصادي زياد ايوب عربش اعتبر أن إصدار المرسوم 70 يمثل خطوة محورية لكنه يطرح تساؤلات جوهرية حول آليات التنفيذ والآثار المتوقعة على الاقتصاد الوطني.
وفي تصريح لـ«القدس العربي» بين عربش أنه يمكن قراءة آثار المرسوم من خلال ثلاثة أبعاد رئيسية: أولاً، تمكين المتعثرين من استئناف أنشطتهم وأعمالهم، مما يسهم في تحريك العجلة الاقتصادية ورفع الحجز عنهم وعن أسرهم، وثانياً، الحفاظ على الأموال العامة واستعادة جزء مهم من موارد المصارف، ما يمكنها من إعادة استثمار هذه العائدات في النشاط الاقتصادي، وثالثا، المساهمة في حل مشكلة السيولة جزئياً من خلال الأموال المعادة إلى المصارف، إلى جانب تطهير محافظ التمويل وتحسين مؤشرات الملاءة المالية، مع التأكيد على أهمية استعادة الثقة بالنظام المصرفي السوري برمته. وخلص للقول إن المرسوم 70 يمثل خطوة ضرورية لكنها غير كافية لاستعادة الثقة بالنظام المصرفي، فالمعالجات الصحيحة للقروض المتعثرة يجب أن تترافق مع سياسة مصرفية تطويرية متكاملة، تضع عودة الإقراض على أسس الاستدامة، في صلب أولوياتها، ويأتي تعزيز الاستقرار المالي ودفع الإصلاح المؤسسي كدليل على التزام الدولة بدعم هذا المسار.
فيما قال الخبير القانوني المحامي عارف الشعال لـ«القدس العربي» إن المرسوم صدر استجابة لضغوط متعثرة كثيرة لأناس بسيطين لم يستطيعوا التسديد بسبب ظروف الحرب قبل سقوط النظام، وخصوصا منهم من كان مقيما في مناطق سيطرة الثوار في محافظتي إدلب وحلب حيث كانت المصارف فيهما مغلقة.
وأضاف: إن المصارف تطالب حاليا بديونها وهذه المطالبات تعني الحجز على الأملاك ومن ثم بيعها في المزاد العلني لتحصيل مستحقاتها وهي إجراءات غير دستورية تم اعتمادها في عهد نظام الأسد، فما كان إلا وإصدار المرسوم 70.
وأوضح أنه لا يحق لرئيس الجمهورية إصدار مثل هذه المراسيم التي هي من اختصاص المشرعين أي مجلس الشعب، لكن الدولة يجب أن تواصل عملها، وإن كان هناك فراغ تشريعي تم التسبب به، ولكن لا يمكن الانتظار كل هذه الفترة، كما لا يمكن العمل وفق الهيكلية الشديدة البيروقراطية التي وضعها النظام السابق.

القدس العربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.