الشرع في برلين.. زيارة تفتح باب الاعتراف وتفجر الجدل حول اللاجئين

وصل الرئيس السوري  أحمد الشرع إلى برلين مساء الأحد في زيارة رسمية مؤجلة منذ يناير/ كانون الثاني، في خطوة تضع العلاقات الألمانية السورية أمام اختبار سياسي حساس، إذ يُفترض أن يلتقي الإثنين الرئيس الألماني فرانك-فالتر شتاينماير، قبل توجهه إلى المستشارية حيث يستقبله المستشار فريدريش ميرتس عند الساعة الثانية عشرة والنصف ظهرا، على أن يعقب ذلك مؤتمر صحافي مشترك في الثانية بعد الظهر، إضافة إلى مشاركة الشرع في مائدة مستديرة مع رجال أعمال. وتنظر برلين إلى الزيارة بوصفها «زيارة افتتاحية» رسمية، فيما سبق أن أُجّلت الزيارة الأولى بسبب التطورات الداخلية في سوريا.

وإذا كانت الزيارة تبدو، في ظاهرها، محطة دبلوماسية عادية بين دولتين تسعيان إلى إعادة بناء قنوات الاتصال، فإن جدول الأعمال يكشف أنها أبعد من ذلك بكثير. فالحكومة الألمانية أعلنت بوضوح أن محادثات ميرتس مع الشرع ستتناول إعادة إعمار سوريا، وعودة اللاجئين السوريين، والاستقرار الاقتصادي، كما أشارت تصريحات رسمية إلى أن ملف الطاقة والعلاقات الاقتصادية سيكون حاضرا أيضا على الطاولة.

وبهذا المعنى، لا تريد برلين مجرد استقبال رئيس انتقالي، بل تريد اختبار ما إذا كانت السلطة الجديدة في دمشق قادرة على التحول من عنوان سياسي مؤقت إلى شريك يمكن التعامل معه في ملفات شديدة الحساسية تمس الداخل الألماني نفسه.

وبحسب مواقع إخبارية ألمانية تنبع أهمية الزيارة من كونها تأتي في لحظة ألمانية داخلية ضاغطة، حيث تحوّل ملف السوريين في ألمانيا من قضية لجوء وحماية إلى قضية سياسية داخلية تتداخل فيها حسابات الهجرة والأمن واليمين الشعبوي. ولذلك تبدو برلين معنية بإظهار أن لديها قناة مباشرة مع دمشق الجديدة، ليس فقط للحديث عن إعادة الإعمار، بل أيضا لبحث إمكان بناء مسارات عودة، طوعية أو قسرية في بعض الحالات، خصوصا في ما يتعلق بالمجرمين والمصنفين خطرين.

وكانت الحكومة الألمانية قد أظهرت منذ يناير/ كانون الثاني استعدادا لتعميق العلاقات مع السلطة السورية الجديدة، مع التشديد في الوقت نفسه على ضرورة أن تكون المرحلة الانتقالية شاملة، وتضمن مشاركة آمنة ومتساوية لكل المكوّنات السورية.

ولهذا السبب أيضا، تحيط بالزيارة إجراءات أمنية غير مسبوقة نسبيا. فالشرطة في برلين استعدت لانتشار واسع بسبب تصنيف الشرع ضيفا ذا مستوى تهديد مرتفع، وفرضت قيودا مؤقتة في محيط فندق «ريتز كارلتون» وقصر بيلفو والمستشارية، شملت حظر التظاهرات في نطاقات محددة وحظر حمل السلاح والسكاكين، مع إغلاق مناطق واسعة وطلب حمل بطاقات التعريف من السكان والعاملين في تلك المناطق. كما دعت الشرطة إلى تجنب المنطقة بسبب التداخل بين الزيارة الرسمية وفعاليات عامة أخرى في المدينة.

احتجاجات على الزيارة

وخارج القاعات الرسمية، ينتظر الشرع مشهد ألماني آخر لا يقلّ أهمية عن الاجتماعات البروتوكولية.فبحسب موقع RBB الإخباري الألماني فقد دعت مجموعات كردية ومدنية إلى احتجاجات في برلين تحت شعارات رافضة لاستقباله، كما هاجمت «الجالية الكردية في ألمانيا» الزيارة بشدة، معتبرة أن الرجل لا ينبغي أن يحصل على «ترقية بروتوكولية»، ووصفت استقباله بأنه إشارة سياسية خاطئة إذا لم تقترن بشروط واضحة تتعلق بحقوق الإنسان وحماية الأقليات. كما اتهمت المنظمة الشرع، استنادا إلى ماضيه القيادي في «هيئة تحرير الشام» و«جبهة النصرة»، بالمسؤولية عن انتهاكات جسيمة وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

ولا يقتصر الجدل على منظمات حقوقية أو أحزاب ألمانية معارضة، بل يمتد بوضوح إلى داخل الجالية السورية في ألمانيا نفسها. فهناك قطاع من السوريين يرى في الزيارة نافذة لكسر العزلة عن سوريا وفتح مسار واقعي لإعادة الإعمار وتحسين الوضع الاقتصادي، فيما تنظر إليها شرائح أخرى، ولا سيما بين الأكراد والإيزيديين وبعض ممثلي الأقليات، بوصفها استعجالا في منح الشرعية لسلطة لم تحسم بعد علاقتها بالتعددية السورية وبملف الحريات والتمثيل.

وكان «مؤتمر الإيزيديين في دول المهجر» قد اعتبر سابقا أن مثل هذه الزيارة تثير أسئلة أساسية حول مدى اتساق سياسة الدولة الألمانية مع حماية الجماعات التي لجأت إليها بعد سنوات من الاضطهاد، وهو اعتراض يكتسب ثقلا خاصا في بلد اعترف برلمانه قبل أعوام بجرائم تنظيم «داعش» ضد الإيزيديين كإبادة جماعية.

تصريحات لسوريين في ألمانيا

وفي تصريحات لـ«القدس العربي»، قال الناشط بركات عبيد، وهو سوري مقيم في ألمانيا إن الزيارة ليست مجرد محطة بروتوكولية، بل تحمل دلالة سياسية واضحة على أن أوروبا بدأت تدرك أن تجاهل الواقع الجديد في سوريا لم يعد مجديا. وأضاف أن أهمية الزيارة تنبع من كونها قد تؤسس لتحول حقيقي في العلاقة مع برلين، بما يفتح الباب أمام بحث ملفات الإعمار، والاقتصاد، وعودة اللاجئين، وكسر العزلة التي أنهكت السوريين لسنوات.

وبرأيه، فإن هذه الخطوة تمثل بداية لعهد جديد، ليس لأنها تنهي الأزمات دفعة واحدة، بل لأنها تضع سوريا على طريق مختلف، يقوم على الحوار والاعتراف بالوقائع الجديدة بدل البقاء في دائرة الانتظار والمقاطعة.

من جهتها أكدت الناشطة السورية صوفيا بجعة أن الزيارة مهمة لجميع السوريين، وتأتي في وقت تحاول فيه تيارات معارضة الدفع نحو تقسيم سوريا، مضيفة أن الأهم اليوم هو التأكيد أن سوريا ليست قابلة للتقسيم، وأن من حق المعارضين انتقاد الحكومة أو الشرع، لكنهم لا يمثلون كل السوريين بل أقلية محدودة.

وفي المقابل، قال الناشط السوري الكردي خضر عبد الكريم لـ«القدس العربي» إن على ألمانيا أن تستمع إلى أصوات الاحتجاجات، وأن استقبال الشرع يمنحه انطباعا بالشرعية والاعتراف في وقت لا يزال فيه القتال حاضرا في سوريا بقوة، وما تزال فيه الأقليات، بحسب رأيه، غير ممثلة تمثيلا حقيقيا في بنية الحكم الجديدة.

ويعكس هذا الانقسام حقيقة أعمق من مجرد خلاف على شخص الشرع. فالجالية السورية في ألمانيا لم تعد كتلة واحدة منذ زمن، بل أصبحت ساحة تعكس الانقسامات نفسها الموجودة داخل سوريا: بين من يرى أن الأولوية اليوم لإنهاء العزلة وبدء إعادة البناء مهما كانت التحفظات، وبين من يعتقد أن أي انفتاح خارجي سابق لأوانه قد يتحول إلى «شيك سياسي على بياض» لسلطة لم تُختبر بعد في ملفات العدالة والمواطنة وتمثيل الأقليات.

ومن هذه الزاوية، لا تبدو برلين مكانا للزيارة فقط، بل مرآة للنقاش السوري نفسه خارج سوريا. وهذا استنتاج سياسي تدعمه طبيعة الاحتجاجات والمواقف المتعارضة داخل الجالية، إلى جانب إصرار الحكومة الألمانية في الوقت نفسه على البراغماتية السياسية.

ملف اللاجئين الأكثر خطورة

أما الملف الأكثر حساسية في خلفية الزيارة فهو ملف اللاجئين. فالأرقام الرسمية تكشف صورة أكثر تعقيدا من الخطاب السياسي المتداول. فحتى نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، كان يقيم في ألمانيا 940,401 شخص يحملون الجنسية السورية، وأكثر من نصفهم، أي 512,348، يتمتعون بوضع حماية. وكان العدد قبل عام يقارب 974 ألفا، لكن هذا التراجع لا يعود أساسا إلى موجة مغادرة كبيرة، بل إلى ارتفاع معدلات التجنيس، إذ إن من يحصل على الجنسية الألمانية لا يعود مسجلا في السجل المركزي للأجانب باعتباره سوريا، حتى لو احتفظ بجنسيته الأصلية.

وفي المقابل، فإن أرقام العودة الطوعية تظل محدودة إذا ما قيست بحجم الجالية. فبحسب معطيات استندت إلى ردّ حكومي على استفسار برلماني، غادر 3,707 سوريين طوعا بدعم مالي حكومي بين بداية 2025 ونهاية نوفمبر/ تشرين الثاني، فيما أشارت معطيات أخرى إلى أن نحو 5,976 سوريا تقدّموا حتى نهاية 2025 بطلبات دعم مالي للعودة، وكان 3,678 منهم قد عادوا بالفعل عبر البرنامج الاتحادي بحلول نهاية ديسمبر/ كانون الأول. وهذه الأرقام، على رغم أهميتها السياسية، ما تزال بعيدة جدا عن أي حديث عن «عودة جماعية» واسعة.

وتزداد الصورة تعقيدا عندما توضع هذه الأرقام في مواجهة الواقع داخل سوريا نفسها. فالأمم المتحدة تقول إن سوريا ما تزال واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم، وإن نحو 70 في المئة من السكان يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، فيما تشير مؤسسات أوروبية إلى أن 16.5 مليون شخص ما زالوا يعتمدون على الدعم الإنساني، مع استمرار الفقر الحاد وضعف الخدمات وانهيار البنية التحتية في مساحات واسعة من البلاد. لذلك، فإن الحديث عن عودة واسعة للسوريين الآن لا يصطدم فقط بالسؤال الأمني، بل أيضا بسؤال الحياة اليومية نفسها: أين سيعود الناس، وبأي مدارس ومستشفيات وكهرباء وفرص عمل؟

ومن هنا تحذر منظمات حقوقية، بينها «برو أزيل»، من الانزلاق نحو التعامل مع سوريا كأنها «بلد آمن» قبل أوانه. فالمنظمة تقول إن غياب السلام الحقيقي والتقدم الفعلي في الداخل السوري يعني أن كثيرا من السوريين ما زالوا محميين بموجب قانون اللجوء، وإن النقاش السياسي في ألمانيا حول العودة أو الترحيل يتقدم على الوقائع الموجودة على الأرض. كما تشير بيانات متخصصة إلى أن الوضع الأمني والإنساني ما يزال غير مستقر، وخصوصا بالنسبة إلى الفئات الأكثر هشاشة مثل النساء والأطفال والأقليات.

القدس العربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.