الجيش السوري يتسلّم قاعدة «التنف» بعد انسحاب أمريكي

تسلّمت الحكومة السورية قاعدة التنف الاستراتيجية الواقعة عند المثلث الحدودي مع العراق والأردن، عقب انسحاب القوات الأمريكية منها بعد نحو عشر سنوات من تمركزها في الموقع الذي شكل إحدى أبرز نقاط النفوذ العسكري لواشنطن في البادية السورية، وذلك بموازاة تطورات ميدانية في مدينة الحسكةـ حيث انسحبت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من أجزاء داخل المدينة، مقابل تحركات لقوات الأمن لاستلام عدد من المقرات والنقاط الحيوية، في سياق ترتيبات أمنية جارية لإعادة تنظيم الانتشار داخل المدينة الواقعة شمال شرقي البلاد.

انتشار داخل القاعدة

وأفادت مصادر حكومية، أمس الخميس، بأن وحدات من الجيش السوري دخلت القاعدة وانتشرت داخلها، فيما أعلنت وزارة الدفاع في بيان رسمي أن عملية الاستلام جرت «من خلال التنسيق بين الجانب السوري والجانب الأمريكي»، مؤكدة أن القوات عملت على تأمين القاعدة ومحيطها، وبدأت الانتشار على الحدود السورية ـ العراقية ـ الأردنية في بادية التنف.
وأضاف البيان أن قوات حرس الحدود ستتولى مهامها في المنطقة خلال الأيام المقبلة، في إطار استكمال إجراءات تثبيت السيطرة وتعزيز الانتشار الحدودي.
وحسب المصادر، انسحبت القوات الأمريكية إلى قاعدة «البرج 22» داخل الأراضي الأردنية، والتي تبعد نحو 22 كيلومترا عن قاعدة التنف.
وكان عدد الجنود الأمريكيين في القاعدة يبلغ في فترة سابقة نحو 200 جندي.
وتأتي هذه الخطوة ضمن عملية إعادة تموضع أوسع تُعد السادسة من أصل ثماني قواعد رئيسية أخلتها القوات الأمريكية منذ العام الماضي، وسط مؤشرات إلى توجه تدريجي نحو تقليص الوجود العسكري الأمريكي في سوريا.
يُذكر أن الولايات المتحدة وسعت قاعدة التنف بين عامي 2017 و2018، وزودتها آنذاك بمناطيد مراقبة أُزيلت لاحقا. واستخدمت واشنطن القاعدة لرصد التحركات العسكرية للمجموعات المدعومة من إيران وتنظيم «الدولة الإسلامية»، في نطاق جغرافي يمتد لمئات الكيلومترات بين الحدود الأردنية ونهر الفرات.
وفي سياق قراءة أبعاد الانسحاب الأمريكي من قاعدة التنف وانعكاساته السياسية والأمنية، رأى الكاتب والخبير السياسي أحمد هواس، في حديث لـ«القدس العربي»، أن ما يجري يشير إلى توجه أمريكي واضح نحو عدم الإبقاء على قواعد عسكرية في سوريا خلال المرحلة المقبلة.
واعتبر أن الولايات المتحدة، وفق المعطيات الراهنة، باتت ترى أن الحكومة السورية أصبحت قادرة على بسط سلطتها على كامل الأراضي السورية، ولا سيما في المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة تنظيم «الدولة» أو التي يمكن أن تشكّل بيئة محتملة لعودة أنشطة إرهابية.
وأضاف أن اتفاق اندماج قوات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة أسهم أيضا في نقل ملف سجناء تنظيم «الدولة» إلى العراق، ما خفف من أحد أبرز التعقيدات الأمنية التي كانت تستخدم مبررا لاستمرار الوجود العسكري الأمريكي.
وأوضح أن هذا التطور يعد تتويجا لمسار من التفاهمات بين واشنطن ودمشق، تمثل في انضمام سوريا إلى التحالف الدولي لمحاربة تنظيم «الدولة»، الأمر الذي أوجد صيغة تعاون جديدة في ملف مكافحة الإرهاب، وأعاد ترتيب الأولويات الميدانية والسياسية في البلاد.
وأشار إلى أن الانسحاب من التنف، والذي يرجح أن تتبعه خطوات مماثلة في مواقع أخرى، يحمل في طياته جملة من الرسائل السياسية من جانب دمشق. أولى هذه الرسائل أن سوريا بدأت تدخل مرحلة تعافٍ أمني تدريجي، وأن مؤسساتها باتت تمتلك القدرة على ضبط الحدود وإدارة الملف الأمني دون الحاجة إلى وجود عسكري أجنبي مباشر.

كما رأى أن من بين الرسائل الموجهة أيضا إلى القوى الداعية إلى الانفصال أو الحكم الذاتي خارج إطار الدولة، ومفادها أن سوريا استعادت وحدتها السياسية والجغرافية، وأن مسار إعادة بسط سيادة الدولة على كامل أراضيها يمضي قدما.
وفي سياق انسحاب القوات الأمريكية وما يرافق ذلك من تحولات أمنية، أكد الكاتب والمحلل السياسي محمود علوش لـ «القدس العربي» أن هذا الانسحاب يندرج ضمن عمليات الانسحاب الأمريكي التدريجي من سوريا، ويتعلق بالوضع الجديد الناشئ في علاقة سوريا بالتحالف الدولي بعد انضمامها اليه، مشيرا إلى أن الخطوة تعكس التوجه الدولي العام نحو تسليم الدولة السورية ملف مكافحة الارهاب بدرجة أساسية بالتنسيق مع التحالف الدولي والشركاء الاقليميين. كما أن الانسحاب يأتي أيضا في إطار تمكين الدولة السورية من استعادة سيادتها على كامل أراضيها وتفكيك ملف التدخلات الأجنبية في سوريا.
وأوضح أن هذه الخطوة التي جاءت بالتزامن مع التخلي الأمريكي عن قوات سوريا الديمقراطية تعتبر مصممة أساسا لتهيئة البيئة لانسحاب امريكي كامل من سوريا في المستقبل المنظور، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة تحاول من خلال ذلك تمكين الدولة السورية من استعادة السيطرة على مناطق سلطة قوات سوريا الديمقراطية.
وبرأي المتحدث فإن هذا الإخلاء يطوي صفحة من المشروع الذي سعت له إيران خلال السنوات الماضية لإنشاء ممر بري يربط نفوذها بلبنان، مشيرا الى أن هذا المشروع انهار مع سقوط نظام بشار الاسد. واعتبر ان هذا الانسحاب الأمريكي من التنف ليس مقدمة لإعادة تشكيل الوجود العسكري الأمريكي في سوريا، بل يعطي مؤشرا على الاهتمام الدولي المتزايد بتمكين الحكومة السورية في ملف مكافحة الإرهاب، حيث يركز التوجه الأمريكي على تسليم سوريا هذا الملف بالتنسيق مع دول الجوار، لا سيما تركيا والعراق والاردن ولبنان.
وحول التحديات الأمنية أشار المتحدث إلى أن الدولة السورية ستواجه في المرحلة المقبلة جملة من التحديات، خصوصا مع النشاط المتزايد لـ«داعش» والأعباء الأمنية المتزايدة في تحمل مسؤولية مكافحة الإرهاب، مضيفا أن الأداء الذي قدمته الحكومة السورية منذ توليها السلطة وحتى اليوم يعتبر أداء مشجعا، وشكل حافزا قويا للولايات المتحدة لتوكيل الدولة السورية بالتعامل مع ملف مكافحة الإرهاب أيضا مع شبكات تهريب المخدرات والأسلحة التي تنشط في سوريا، موضحا أن هذه الشبكات تراجعت وتيرة عملها بشكل كبير خلال عام، ورغم ذلك لا تزال موجودة، مؤكدا أن كل يوم يمضي يزيد من تمكين الدولة السورية وقدرتها على التعامل مع هذه التحديات بشكل جيد.

تحركات ميدانية

وتشهد مدينة الحسكة شمال شرقي سوريا تطورات ميدانية مهمة، في ظل انسحاب قوات سوريا الديمقراطية «قسد» من أجزاء من المدينة، مقابل تحركات لقوات الأمن السورية لاستلام عدد من المقرات والنقاط الحيوية.
وقال الناشط الميداني مصطفى البكاري لـ «القدس العربي» إن قوات «قسد» انسحبت خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية من مواقع داخل المدينة، مع بقاء بعض المواقع التي تضم أنفاقا ومستودعات ذخيرة وآليات عسكرية، لا سيما في حيي غويران والنشوة.
وفي المقابل، تتمركز قوات الأمن على أطراف المدينة، مع ترجيحات بدخولها لاستلام الحواجز والمؤسسات الرسمية وإدارة المحافظة بعد استكمال الترتيبات المتفق عليها بين الطرفين. وأشار المصدر إلى أن بعض الأبنية ضمن ما يعرف بالمربع الأمني لا يزال تحت إشراف الأمن العام، بينما لم تسجل تغييرات ميدانية في بقية المناطق التي لا تزال خاضعة لسيطرة «قسد».
كما تمت إزالة السواتر الترابية من المدخل الجنوبي للمدينة، في خطوة تمهيدية لإعادة فتح الطرقات، عقب انسحاب قوات الجيش السوري وعناصر «قسد» إلى ثكناتهم.

ثلاثة مواقع

وتتموضع «قسد» في اتجاه ثلاثة مواقع رئيسية، حسب ما قال الناشط الميداني مروان الكاحط من الحسكة لـ «القدس العربي»، على رأسها جبل كوكب الذي يعتبر قاعدة عسكرية سابقة للجيش السوري الفوج 123، ويقع على طريق الهول ـ الحسكة عند مفرق تل براك.
وتشمل إعادة الانتشار أيضا تل بيدر، وهو موقع عسكري سابق على الطريق الدولي قرب مفرق الدرباسية ـ الحسكة، وكان مقرا لكتيبة المشاة 223 التابعة للفوج 54، إضافة إلى موقع استراحة الوزير، الذي كان يستخدم كقاعدة للتحالف الدولي و«قسد»، ويقع على طريق الحسكة ـ تل تمر.

تسوية أوضاع «الأسايش»

وفي سياق التفاهمات الجارية، قال مصدر عسكري مطلع لـ «القدس العربي» إنّه يجري العمل على تسوية أوضاع نحو 2500 عنصر من الأسايش، قوات الأمن الداخلي التابعة للإدارة الذاتية في الحسكة. ووفق المصدر، من المتوقع دمج عدد منهم كأفراد ضمن هيكلية أمنية جديدة، على أن ينقل بعضهم إلى مدينة القامشلي، التي تعد جهاز الشرطة المدنية في مناطق سيطرة الإدارة الذاتية.
كما أنه من المقرر تنفيذ عملية تبادل أسرى بين الحكومة السورية و«قسد»، تشمل معتقلين اعتقلوا منذ نحو ثلاثة أشهر، على أن تصل دفعة منهم إلى مدينة القامشلي قريبا، مشيرا إلى أن المعتقلين الأقدم لم تشملهم عملية التبادل الحالية.
وأشار المصدر إلى أن الحسكة تمر بمرحلة إعادة ترتيب أمني، تتضمن تسليما تدريجيا لبعض مفاصل المدينة، مقابل إعادة انتشار «قسد» خارج مركزها.

القدس العربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.