يثب

من المسؤول عن حادث شارل ابدو ؟

د. كمال اللبواني

الدكتور كمال اللبواني

الدكتور كمال اللبواني

ضحية الجريمة معروف ومنفذها معروف أيضا وقد نال عقابه، و هذا واجب الأمن والقضاء… لكن المسؤولية عن هذا النوع من الحوادث ذات الدافع السياسي تبقى هي الشيء الذي يجب تحديده أملا في تجنب حدوثه في المستقبل ، وهذا هو واجب السياسيين، الذين تجمعوا غريزيا وتجمهروا في شوارع باريس بشكل غير مسبوق في 11/1/2015 مع كل الذين يريدون محاسبة المسؤولين عن هذا النوع من الإجرام الذي يسمى الإرهاب الإسلامي.  بينما نحن كسوريين نشعر بالمرارة الشديدة التي تطغى على مشاعر التعاطف ، لأننا لم نشهد أي تظاهرة مشابهة عندما ارتكب الأسد جرائمه واستخدم السلاح الكيميائي ضد شعبه وقتل مئات الآلاف منهم … فهذه التظاهرة  تشعرنا بمقدار المعايير المزدوجة والتمييز  بين الشعوب ، الذي هو أحد دوافع هذه الجريمة السياسية الدينية .

وبعكس الشعب السوري الذي نزل للتظاهر ضد خصم محدد (هو النظام ) الذي عاني منه كل مواطن بطرق وأشكال مختلفة، فإن المتظاهرين في شوارع باريس الذين وحدتهم الحادثة البشعة لم يكن أغلبهم  يعرف ضد من يتظاهر ، فكل كان يغني على ليلاه ، ويحتج ضد شيء افتراضي في ذهنه  مختلف عن غيره : العنصري الفرنسي ضد الأجانب، والمسيحي المتعصب ضد الإسلام، والمسلم المعتدل ضد التمييز ، والعاطل ضد الحكومة …  والإسرائيلي ضد الفلسطيني، والإيراني ضد السنة، والكردي ضد العربي، والحاكم العربي ضد شعبه الارهابي … وهكذا رفعت أعلام كثيرة مختلفة بمقدار اختلاف القلوب وتشتتها … والتي لن تستطيع التجمع والائتلاف إلا من خلال العقول التي ستحضر مؤتمرات كثيرة ، قبل أن تفهم هذه الحادثة وتوزع المسؤوليات عنها … لكي تخلص لعلاج فعال لهذه الظاهرة … إذا توفرت رغبة حقيقية في ذلك …

ربما أشار إليها وزير العدل الأمريكي الذي على ما يبدو أنه يفكر بعقلية القاضي العادل ، وليس السياسي الديماغوجي الذي فقد الحكمة والانسانية ، أستثني من هذا التوصيف الرئيس  الفرنسي أولند الذي صرح أنه نادم لأنه لم يضرب الأسد يوم استخدم الكيماوي ضد شعبه ، والذي لو فعلها ربما لم يكن ليواجه مثل هذا النوع من الجريمة في عقر داره …

البحث في العوامل والدوافع :

يوجد في كل مجتمع أفراد لديهم مشاكل نفسية وذهنية وعقلية، قد يرتكبون جرائم عنف بشعة ( طالب يقتل رفاقه بالمدرسة ) ، كما ينحرف أشخاص بسبب ظروف تربية وحياة مشوهة تجعل العنف عندهم وسيلة معتادة ( أحياء معينة تنتشر فيها الجريمة ) ، وهناك أتباع ثقافات وفلسفات وديانات مختلفة تختلف بنسبة اعتمادها على العنف والقوة، تبعا لنشأتها وظروف تكوينها ومرحلتها التاريخية .

و في كل مجتمع هناك تباين بين سلوك أفراده الذين منهم من يكون مسالما ، أو سلبيا ، ومنهم من يكون مبادرا وهجوميا  وعدوانيا تبعا لمورثاته وهرموناته ومزاجه ، وهناك ظروف فردية تدفع بذات الإنسان لممارسة السلم أو العنف … فتجعله أكثر سلما أو أقرب للعنف … وهناك ظروف عامة تمر بها المجتمعات التي تميل بكليتها نحو سوية أعلى وأعلى من العنف أو نحو الدعة والاستقرار والسلم.

و لممارسة هذا العنف أشكال عديدة :  بشكل شخصي منفرد وضد أشخاص محددين ، أو بشكل جماعي مرتبط بالتقاليد والعرف ، بشكل عفوي  أو بشكل منهجي منظم أيديولوجيا، ضمن مجموعات محلية صغيرة أو منظمات ، أو حتى ضمن مؤسسات الدولة  الأمنية ، أو من خلال النظام العام للدولة كلها  ( نظام نازي ، شيوعي ماوي أو ستاليني ، نظام ديكتاتوري عربي ) ،  وهناك عنف يطبع سلوك دولة ضد دول أخرى (مثلا أمريكا ، روسيا ، أو داعش ) .

لذلك فدراسة ظاهرة العنف الإسلامي في كل مستوياتها، تتطلب البحث أبعد وأعمق من الأشخاص أو المنظمات المتطرفة ( الارهابية ) التي هي أحد أشكالها ،بل ذروتها عندما تتحول هذه الظاهرة لأيديولوجيا ، ومن ثم لتنظيم يخدمها … فهذه المنظمات لم تنشأ من فراغ ولا يمكنها ذلك ، ولم تكن سوى ذروة جبل أكبر وأوسع منها بكثير ، يجب النظر إليه كله . فالحرب على هذه الذروة فقط لا يعني سوى انتظار بروز ذروة جديدة أكثر عنفا وخطورة . طالما أن جبل الجليد باق ، والبرد قارس .

فالشائع اليوم هو اتهام منظمات محددة بارتكاب العنف والترهيب ( قاعدة ، داعش )  ، بمقابل تبرئة المجتمع والثقافة التي أنتجتها وبررتها وأعطتها الموافقة والترحيب ومدتها بالعناصر… وهذا النوع من حصر الاتهام لا يعبر عن حسن نية أو مجاملة أدبية كما يظهر ، أو حتى قصور نظر وعدم فهم ، بل يعبر عن خبث لئيم هادف لتمويه الحقيقة، التي يجب عليها أن تبحث عن أسباب ومبررات وعوامل وجود هذه الظاهرة المدانة بكل شفافية وصدق وصراحة … لكن على ما يبدو لا يراد الخوض فيها، بل يكتفى بالإدانة ، ويراد من ذلك اقتصار الحرب مع ذروة الظاهرة من دون جسدها ومولدها ، بهدف ادامة عواملها، التي هي ذاتها تشكل الأساس في منظومة المصالح التي يعمل من أجلها من يدعي الحرب على الارهاب ويدينه ( الغرب ) .

فلو غاص أكثر في المشكلة وفي أرضيتها لوجد نفسه مسؤولا مباشرة عن تحضير هذه الأرضية التي تخدم مصالحه الكثيرة، لكنها (مع أسفه الشديد) تنتج أيضا ظاهرة الارهاب التي يحاربها سطحيا ويدينها، لذلك يعتبرها مجرد آثار جانبية لعلاج يحتاج إليه … فهو لا يريد إلغاء عواملها التي تخدم مصالحه في أكثر من صعيد ، بل يعمل على إدامة الظروف المولدة لها وإدامة ظاهرة الارهاب معها ، مع استمراره في الحرب عليها … وهذا التناقض والنفاق  هو الذي يجعل ظاهرة الارهاب الإسلامي  مستمرة ومتزايدة منذ أن أعلنت الحرب الدولية عليها …

وعندما نقول أن لهذه الظاهرة أسباب تتعلق بأنظمة المنطقة وظروف الحياة فيها … نجدهم لا يستمعون ،  فمن وجهة نظرهم يجب على هذه الشعوب أن تمنع تصدير الارهاب فقط ، فلا بأس لو مورس عليها ، ويجب عليها أن تكون مسالمة مع مغتصبها وقاتلها ومع المجرمين المكلفين بتعذيبها الذين يطبقون سياسات الغرب في المنطقة، مع أن هذا ما يعطي للإرهاب نفوذا وشعبية ، ليس فقط في الوسط بل أينما وجد انسان يتأثر بمشاعر من يعتبرهم أخوته … لكون الإرهاب رد فعل انتحاري يقوم به البعض نيابة عن الضعيف اليائس في مواجهة غطرسة القوي …

هناك من يربط هذا الارهاب بتكوين الدين الإسلامي ( الجهاد )، بعكس المسيحية … وهذا يدفعنا لتوضيح الفارق بين الاسلام والمسيحية : فالمسيحية نشأت في ظل دولة قوية قائمة ، لذلك تركت الشأن القضائي والأمني والاقتصادي للدولة وسلطتها ، وركزت على بناء الدين وسلطته على النفس … لكن الاسلام نشأ في بيئة صراع قبلي ( جاهلية ) وكان بحاجة لأن يؤسس الدولة في بيئة صحراوية قاسية … فالكثير من مهام الدولة فهم أنها مهام دينية واجبة على كل فرد، وهذا خطأ في قراءة الدين لم يحظ بالدرس والتحليل الكاف، وهذا عيب فكري فقهي مسؤول عنه مؤسسة الدين الرسمي التي تديرها الحكومات.

فالجهاد بالدعوة والكلمة، يختلف عن حمل السلاح واستخدام العنف واليد، ولم يستخدم الرسول السلاح ولم يحارب ولم يأذن بالقتال قبل أن يصبح دولة ، وضمن قواعد وشروط الحرب بين الدول، ولم يترك لكل فرد أن يجاهد كما يريد ويستخدم العنف كما يشتهي ويخوض المعارك أينما حل كواجب ديني … فالجهاد الأكبر هو جهاد النفس هواها ، والحرب هي مهمة الدولة ، حتى التمرد واعلان الحرب على سلطة غاشمة يحتاج لإجماع وشورى وفتوى ، تدرس الحيثيات والمبررات والظروف … وهكذا قرار هو قرار جمعي وليس فردي، وهو يختلف عن الدفاع الفردي المشروع عن النفس أمام خطر مادي داهم مباشر لم تتمكن سلطة الدولة من رده … والذي هو حق قانوني مثبت في كل النظم .

ومع أن الدين المسيحي يأمر بعدم استخدام العنف ، لكنه لم يستطع أن يمنع الدول المسيحية من خوض حروب دينية وارتكاب جرائم ضد الانسانية لا في داخل أوروبا ولا في خارجها ( محاكم التفتيش ، الحرب بين البروتوستانت والكاثوليك ، الحروب الصليبية ، محرقة اليهود ، الحرب في يوغوسلافيا ، والحرب في الشيشان )

صحيح أن العنف ( الجهاد ) موجود في مكونات الثقافة العربية والاسلامية، وأن استعمال القوة مشروع ، لكنه موضوع ضمن أطر وضوابط توظفه في الدفاع عن وجود المجتمع وسلمه ، وشيء من هذا موجود في معظم الثقافات التي تهتم بتنظيم المجتمع ، وليس فقط تنظيف الروح … ولكن الصحيح أيضا أن الظروف هي من تحول هذا العنف الكامن في ثنايا الثقافة  لأيديولوجيا وسلوك . فالثقافة جامعة وتحتوي كل أنماط السلوك الممكن والمتوقع لنختار منها حسب الظرف … لكن نمطا محددا منها ينفذ عندما تجتمع الشروط المحرضة له … وطالما أن هذه الظروف مسؤول عنها بشكل مباشر من يحكم هذه المجتمعات ، والذي هو بدوره يستفيد من ثقافة العنف و يغذيها ليحكم شعبه بها، وطالما أن الغرب هو الآخر مسؤول عن مشاعر الكراهية والعداء التي تنتشر بسبب سلوكه مع هذه الشعوب أو دعمه لهذه الأنظمة المجرمة … لذلك كلا الطرفين ( الأنظمة ، والغرب ) يتحالفون ضد منظمات هم من هيأوا الأرضية اللازمة لنشوئها ، واستندوا على ثقافة العنف  في بقائهم  وتحقيق مصالحهم .

لأنه وكما بات واضحا للجميع أن مشاعر العداء ودعوات الجهاد تتزايد بمقدار ما تغيب العدالة ويشيع القمع  والقتل الذي يمارسه من يحكم أو يتحكم بهذا الشعب أو تلك الأمة … ويتزايد مستوى العنف بمقدار تشوه حياة التجمعات ، وكبتها الاقتصادي والجنسي، ويتزايد هذا الكبت بمقدار تمسكها بالقديم في مواجهة حداثة مدمرة ، حيث يصبح القديم سلاحا يحفظ وجودها وتماسكها في مواجهة الهمجية التحديثية الحاكمة التي تحولها تباعا لدول فاشلة باسم التحديث …

وباجتماع عوامل ثلاثة نحصل على نموذج خطر وشائع جاهز لمباشرة العنف من تلقاء نفسه أو مهيأ لكي تتلقفه المنظمات الارهابية وتستخدمه : 1- بنية الشخص نفسه 2-  الظروف التي تغير حياته  3- ظروف المجتمع ككل الذي ينتمي إليه … وبتوفر عناصر القوة اللازمة تتطور هذه المنظمات ويزداد خطرها .

1

2

3

4

البحث في المسؤوليات :

بعد هذا الاستعراض السريع والموجز لكم العوامل التي تعمل على انتاج هذه الظاهرة نعود للحادث لنحدد أين تقع المسؤولية بشكل أساسي وعلى من تقع :

جريمة شارل ابدو سياسية ، أو ذات توظيف سياسي ، وذات توظيف ديني … وضحيتها دفع حياته لأنه عبر عن موقف سياسي ديني ، ومرتكبها فعل فعلته في خدمة غاية سياسية دينية دفع حياته أيضا من أجلها ، لذلك هي تقع في باب الجريمة السياسية الدينية ذات الطابع الدولي ، وليس الجنائية العادية المحلية.

  • بما أن المرتكب فرنسي وبعد حذف تشوه طباعه التكوينية التي لم تكن بادية في مرحلة سابقة، فهذا يعني أن الظروف التي أحاطت بتربيته ونشأته هي المسؤول الأول، وبالتالي يقع قسم كبير من المسؤولية هنا على الدولة الفرنسية وسلوكها مع الأقليات المسلمة على أراضيها ، طبعا هنا يوجد من يريد طرد كل المسلمين ، لكي يتخلص من المشكلة جذريا ، لكن هذا من شأنه إحداث مشكلة أكبر هي طرد كل الفرنسيين من بلاد الاسلام التي سبق لهم واحتلوها عقودا ، ويخلق أرضية لصراع دائم على الأرض والموارد . التي هي ليست حكرا على شعب أو إنسان … فليس هناك حق تاريخي بأي أرض ، والدول تقوم على الاعتراف المتبادل أو الحرب، ولكل انسان الحق في التنقل طلبا للعيش والرزق. فهذا المطلب العنصري سيقود لحرب عالمية جديدة كما فعل في السابق.
  • الأيديولوجيا الجهادية الدينية عامل عام مساعد ومسؤول ، بالنظر لكون الجاني ما يزال يشعر بهذا الانتماء الجمعي الديني القومي أكثر من الانتماء الوطني الفرنسي ، لكن هذا أيضا يضع على سلوك الدولة الفرنسية تجاه الأمم الاسلامية  قدرا كبيرا من المسؤولية تاريخيا ، والذي تناغم مع كاريكاتير الصحيفة المستهدفة . وإن كانت مواقف فرنسا حديثا قد اتخذت طابعا أكثر ودا.
  • اتهام الإسلام كدين وعقيدة بحد ذاته كدين يحض على الجهاد … وهذا الاتهام مرفوض لأن الدين الإسلامي لم يبح سوى حق الدفاع عن النفس الذي تقره كل دساتير العالم وشرعة حقوق الإنسان ، ولم يبح جهاد اليد إلا ضمن قرار وفتوى عامة تنفذه مؤسسات منضبطة مفوضة ، فهو ليس واجب أو حق شخصي ، وفقا لمضمون العقيدة … فتغيير المنكر مباح بالقلب واللسان فقط ، أما اليد فلا تستخدم من دون شرعية و موافقة وتفويض مجتمعي ومن قبل مؤسسة … وهذا لم يحصل ولن يحصل .

وغياب مرجعية أو سلطة محترمة في المجتمعات الاسلامية ، مسؤول عنه أيضا الغرب الذي استعمر هذه الدول ثم نصب فيها أنظمة عميلة له تحرم هذه الشعوب من انضاج زعامة مدنية وروحية محترمة ،  مما يبرر للحابل والنابل ادعاء الخلافة وحق الفتوى .

وأما الجهل بالدين فهو أيضا بسبب الحكومات المحلية والفقهاء الرسميين الذي يعيشون على موائد السلطان ، وبسبب سياسة التجهيل التي تعتمدها بدعم من النفوذ الاستعماري ذاته … وبسبب تعمدها تفسير الدين بطريقة منحرفة عن أصوله وتخدم غايات سياسية . وهذا يتحمل مسؤوليته الفقهاء والعلماء والمدارس الدينية والأحزاب الدينية التي عملت جميعا على تبني تفسير ميكانيكي للإسلام يسطح العقل ، ويبتعد عن المقاصد متجمد منغلق مضاد للعصر والحداثة وقيمها .

أما إذا كان الحقد على الإسلام هو من يحرك الافتراء عليه واتهامه بالإرهاب ،  فهذا أيضا يبرر فعلة المجرمين الذي يصبح نوعا من رد الفعل .

  • أما اتهام المسلمين وليس الإسلام ، من باب ظروفهم وطباعهم وتقاليد مجتمعاتهم … فهذا  أيضا  يفضي لاتهام الغرب الذي سيطر عليهم واستعمرهم ونصب عندهم الأنظمة العميلة له التي تقتلهم وتمارس العنف عليهم ، وتنشر ثقافة العنف،  فالغرب مسؤول عن أوضاعهم وأحوالهم وتخلفهم … وخير مثال على ذلك  تصرفه تجاه مأساة سوريا التي تحولت لأكبر وأخطر حاضنة للتطرف على يديه وبإرادته ، وبرعاية كاملة من النظام العالمي الذي عطل بيد أصحابه عن عمد وسابق إصرار كل مؤسساته الأمنية والحقوقية ومعاهداته والتزاماته…

قانونيا   عندما يمتنع قادر عن مساعدة انسان يتعرض لخطر الموت يعتبر قاتلا بامتناعه عن تقديم العون ، فكيف إذا كان هذا الموت يتم بجرائم يعاقب عليها القانون الدولي ، عندها يصبح منع تطبيق القانون وتوفير الحصانة للمجرم هو اشتراك عملي بفعل القتل ذاته ، فالنظام الدولي شريك بجريمة النظام ، وهذا ما يجعل الرغبة في الانتقام تسافر عبر البحار. خاصة وأنه عندما تحاربت أوروبا نقلت المعارك لأرضهم وجندت أبناءهم في جيوشها ، فلماذا تستغرب انتقال عنف الشرق لأرضها .. والمثل يقول إذا كان جارك بخير فأنت بخير .

  • اتهام المنظمات الارهابية هو أيضا واهن لأن المرتكب متطوع اختياري فعل فعلته بمحض ارادته ، ولأنه يصعب كثيرا إيجاد من هو مستعد لارتكاب هكذا عنف مرعب ، والتضحية بحياته أيضا … فذلك يتطلب شروطا خاصة جدا يجب أن يعيشها الجاني ، هنا علينا أن نفرق بين عنف المنظمات التطوعية والارهابيين المتطوعين للموت ، وبين العنف المؤسسي الرسمي ، فالمسؤول السياسي في نظام يستطيع ارتكاب أي جريمة وهو جالس في مكتبه ، ويعود لينام في منزله مطمئنا طالما هو يحظى بحماية الدولة التي توظفه والنظام السياسي الذي يحكمها . بينما الارهابي عليه أن ينفذ بيده ويدفع حياته هو أيضا فهو قد اختار الموت لنفسه أولا ومارس العنف عليها قبل غيره ، لذلك يعتبر قراره شخصيا لدرجة كبيرة ، وباستطاعته دوما خيانة تلك المنظمات والوشي بها ، فلولا إخلاصه لفشلت …

والحديث أن إرهاب النظام ، وارهاب المنظمات وجهان لعملة واحدة فيه ظلم كبير لهذا السبب… فالنظام قادر على توظيف المؤسسات لارتكاب الجريمة الترهيبية بشكل منهجي وموسع بكل خسة ودم بارد … ويبقى متمتعا بالحصانة والنعيم ، بينما الارهابي يرتكبها بشكل محدود جدا ورمزي ويدفع حياته ثمنا لها مقابل رموز ومعان مقدسة بالنسبة له ، الأول يقتل كفعل حيواني ليعيش ويتنعم ، والثاني يقتل كفعل رمزي ليموت هو ويبقى المعنى ، لذلك لا مجال للمقارنة بين اجرام النظام وعمليات الإرهاب الانتحارية  لا حجما ولا نوعا ولا كما .

  • وهكذا لا تنحصر المسؤولية عن الجريمة خاصة السياسية في شخص الجاني ، بل هي أساسا في الظروف والعوامل التي أحاطت به ، والتي يعتبر المسؤول عنها، مسؤولا غير مباشر عن تبعاتها (أقصد الجريمة) … لكن العدالة تتوقف عند الفاعل ، وتتغاضى عن المشترك والمسبب إذا كان مؤسسة أو سياسة  أو دولة …

وفي حين يتم اتهام شعب كامل وأمة كاملة ودين كامل بالمسؤولية عن الارهاب … ويدفعون ثمن فعل فرد ينتمي اليهم رمزا ويعيش في دول أخرى ، تبقى هذه الدول والسياسات متخفية بزي قاض وحكم . مع أنها هي الجاني الحقيقي المسؤول عن الظروف التي ولدت الجريمة . لكي نعتبر من حيث النتيجة أن كل من المجني عليهم والجناة هم معا من ضحايا من نصب نفسه قاضيا في جريمة هو مؤسسها  …

  • النظام السياسي العالمي تغيب عنه القيم والمعايير والمقدسات … وهو مؤسس على علاقات القوة والمصالح الأنانية ، أي على عوامل الجريمة التي تمارس على شكل غطرسة من القوي وانتقام من الضعيف … وما نشهده اليوم من حرب وعنف إنما هو الحرب من أجل نظام عالمي جديد ….

ربما يضع وزير العدل الأمريكي الأسود ، وحكماء السياسيين ، والشعب الفرنسي صاحب ثورة الحقوق الشهيرة  اصبعه على مفتاح هذه الجريمة ، وينقلنا من مفهوم الحرب على منظمة ، لمفهوم علاج الظاهرة …فتنطلق المراجعات للسياسات المعتمدة والنظم المفترضة التي تعمل على قيم ضامنة ، قبل أن تنطلق مؤسسات الأمن والدفاع  لارتكاب المزيد من الجرائم بحق المسلمين في ديارهم والمهجر، والتي ستولد المزيد والمزيد من الإرهاب الأعمى …

على الأقل دعونا نأمل ذلك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.